آراءثقافة
أخر الأخبار

الإبادة الثّقافية الممنهجة.. المكتبات ودور المثقفين نموذجًا

لقد نهبت العصابات الصّهيونية أكثر من 30.000 كتابًا ومخطوطة من بيوت الفلسطينيين عام 1948م واستولت على محتويات مكتبات دوائر حكومة الانتداب البريطاني، ونقلت قسمًا كبيرًا منها إلى الجامعة العبرية، كما هاجم الجيش الإسرائيلي مركز الأبحاث التّابع لمنظّمة التّحرير الفلسطينية أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م، واستولى على مكتبته الّتي كانت تضمّ أكثر من 20.000 مجلّد ووثيقة. ..

غزة – الدكتور محمود عبد المجيد عساف 

مقدّمة:

غالبًا ما تفرض الحروب خطابًا مزيَّفًا قادرًا على الإقناع بغير الحقيقة، أو إظهار غايات غير صحيحة في سبيل تشويه الوعي، وفرض أنماط سلوك وتفكير جديدة تتماشى مع أهدافها. ولمّا كانت الحرب ظاهرة تعبّر عن وصول الصّراع بين مجموعتين إلى ذروته، وفشل كلّ محاولات تسوية الخلافات سلميًّا بينهم؛ فإنّ من أهمّ نتائجها ما يرتبط بتغيير التّركيب السّكاني للأفراد وتشعيبهم من خلال التّباعد التّأريخي والثّقافي.

إضافة إلى تشويه الحقيقة أو زعزعة الإدراكات المتعلّقة بالثّوابت الوطنية، والتّراث والإرث الوطني  وهو ما يصبّ في اتّجاه النّيل من الجبهة الدّاخلية وإضعافها أو تشكيل رأي عام جديد.

لذا، يقع على عاتق المثقّفين والكتّاب والإعلاميين دور مهمّ وكبير لا يقلّ عن مهمّة المقاتلين في الحروب، ما لم يكن أهمّ؛ كونهم يملكون في الغالب أسلحة صامتة تستمدّ قوّتها من قوّة الكلمة والصّورة ومن مدى حرصهم على تعظيم قيمة المكتبة والكتب، الّتي تتيح لهم المقارنة والبحث والاستفادة من التّجارب السّابقة في بناء تصوّرات جديدة، تُقلِّل من أثر أو وقع الأسلحة الفتّاكة، الّتي يستخدمها العدوّ في الفتك بالإنسان.

وعلى هذا الأساس كان خراب المدن في الحروب مقرونًا بحرق المكتبات أو هدمها، أو حتّى جعل إعادة إعمارها صعبًا أو في ذيل الاهتمامات؛ لما تمثّله من بنيان تحديثي وثقافي قادرٍ على تصحيح المسارات، وصقل الوعي الّذي أكله الجوع والقهر والفقد.

إنّ حرق المكتبات العامّة أو الخاصّة (المنزلية، التّجارية) أو هدمها أو قهر قلوب أصحابها عليها، أو القضاء على رمزيتها ليس بالضّرورة أن يكون ملموسًا (مادّيًا). فيكفي أن يرغم العدوّ السّلوك الإنساني على الاستخفاف بها وبمكوّناتها، أو التّقليل من قيمتها مقابل الاحتياجات الّتي يفرضها الجوع أو الخوف.

مشكلة الورقة البحثية:

في ظلّ تقلّص الدّور الّذي تقوم به المحاضن التّربوية والثّقافية في فترات الحرب من تنوير وتثقيف، واتّساع دائرة الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب مقارنة بالتّعليم والتّثقيف، وتراجع دور النّخبة والجماعات المرجعية، وانحساره في الشئون السّياسة ومآلاتها، تبرز أهمّية دور المثقّفين والكتّاب في الحدّ من الإبادة الثّقافية، والحفاظ على المكنون القيمي للمجتمع، والحرص على أن يبقى الإرث من الكتب والمكتبات سليمًا من أجل الأجيال القادمة.

ولأنّ الباحث واحدٌ من الكتاب الّذين يملكون إرثًا من الكتب يتجاوز الثّلاثين ألف كتاب في منزله، والّذي تعرّض للابتزاز من قبل تجّار الحروب، بأن عرضوا عليه شراءها بأبخس الأثمان؛ من أجل جعلها وَقودًا للأفران في ظلِّ انقطاع مصادر الوقود والطّاقة؛ لذلك تبدو مشكلة هذه الورقة البحثية قائمة في ظلّ غياب الوعي بأهمّية المكتبة ودورها في تشكيل هوية المثقّفين القادرين على حماية المشروع الوطني من التّآكل، والحدّ من الإبادة الثّقافية الّتي يتعمّدها الاحتلال الإسرائيلي ضدّ الشّعب الفلسطيني.

أولا- تاريخ المكتبات والموروث الحضاري:

يعدّ إنشاء مكتبة الإسكندرية أهمّ حدث على الإطلاق في تاريخ المكتبات في الأزمنة القديمة، والّتي كان الغرض أو الغاية منها جمع أدب اليونان كلّه، وقد تمّ حينئذ تقسيمها إلى قسمين؛ الأكبر موجود في القصر الملكي، والأصغر في معبد سيرابيس، وبعد أن تهدّم القسم الأكبر منها إثر غارة قيصر على الإسكندرية عام 47 ق.م أصبح المعبد هو المركز الحقيقي للكتب في المدينة.

ومع بداية القرن الرّابع قبل الميلاد أصبح من المألوف أن يجمع العلماء والأدباء مكتبات خاصّة بهم أمثال أفلاطون وأرسطو، وفي أواسط القرن الثّاني قبل الميلاد أخذ الرّومان يأتون إلى بلادهم بالمكتبات اليونانية، والّتي كانت على هيئة لفافات من البردى، وتطوّر الأمر بعد ذلك بإنشاء مكتبات الأديرة والكنائس بعد الميلاد، الّتي حرصت على جمع كنوز المخطوطات وتنظيمها، حيث اعتنى الرّهبان بهذا الأمر حفظًا للتّراث الإنساني الّذي يجب أن يُسلَّم للأجيال القادمة.

بعد التّغيير الّذي طرأ على العصور الوسطى، وانطلاق الثّورة العلمانية ضدّ الكنيسة، تحوّلت الحياة الثّقافية إلى نزعة النّبلاء نحو القراءة المعمّقة في الأدب والشّعر، إلى أن امتدّ الأمر إلى المكتبات العربية في اسبانيا، الّتي حملت مسؤولية تنمية ثقافة الشّعوب المغلوبة.

بدأ البزوغ العظيم للنّشاط العلميّ والأدبي في العالم الإسلامي في نهاية القرن الثّاني الميلادي بعد تطوّر الورق، الأمر الّذي ساعد علماء المسلمين في بناء مكتباتهم الخاصّة، حيث أنشأ هارون الرّشيد مكتبة في بغداد، زوّدها بمخطوطات من بيزنطة حصل عليها كجزية، كما تمّ إنشاء مكتبات أخرى في الكوفة والبصرة.

خلال القرن الخامس عشر، انتشرت تجارة الكتب في ألمانيا، واشتهر سوق فرانكفورت لبيع الكتب الّتي كان ينتجها النّساخون الّذين كانوا يوجدون في معظم الجامعات، حتّى عصر النّهضة الّذي تميّز بفتح المكتبات العامّة للاستعارة والقراءة (مكتبات البلديات)، ومن أشهر هذه المكتبات مكتبة الكونجرس الّتي أنشئت عام 1800م.

بهذا التّسلسل التّاريخي لنشأة وتطوّر المكتبات، نستطيع القول إنّ هناك حاجة ملحّة لدى الشّعوب والعصور لهذه المكتبات في أوقات السّلم والحرب، فهي تمثّل صورة مادّية ومعنوية للمخزون المعرفي على المستوى الفردي والاجتماعي، والجدول التّالي يوضّح أهمّية المكتبات في حياتنا في أوقات السّلم والحرب.

وعليه، يمكن القول إنّ المكتبات لعبت دورًا حاسمًا في تطوّر الحضارات عبر التّاريخ من خلال حفظ ونقل المعرفة وتعزيز التّعليم والتّعلّم، ونشر الثّقافة والأدب وتشجيع البحث والاستكشاف، وتعزيز التّواصل الثّقافي ودعم الحوكمة والإدارة الرّشيدة.

ولهذا، كان ولا يزال استهداف المكتبات من أوضح صور الإبادة الثّقافية عبر التّاريخ، وكان حرقها من أهمّ الأحداث المهمّة الّتي أثّرت على المعرفة والثّقافة، ففي عام 612 ق.م تمّ تدمير مكتبة (آشور بانيبال) الّتي احتوت على آلاف الألواح الطّينية، وفي عام 48 ق.م تمّ حرق مكتبة الإسكندرية الّتي كانت تضمّ 700 ألف مجلّد، بسبب حرق يوليوس قيصر للسّفن على شاطئ البحر المتوسّط، وفي عام 1258م قام المغول بحرق مكتبة بغداد؛ وذلك بهدم وطمس وتدمير المخطوطات العربية. ومنذ العام 1917م حتّى العام 2023 قام الاحتلال الإسرائيلي بتدمير المكتبات العامة والأثرية في مدينة القدس.

لقد نهبت العصابات الصّهيونية أكثر من 30.000 كتابًا ومخطوطة من بيوت الفلسطينيين عام 1948م واستولت على محتويات مكتبات دوائر حكومة الانتداب البريطاني، ونقلت قسمًا كبيرًا منها إلى الجامعة العبرية، كما هاجم الجيش الإسرائيلي مركز الأبحاث التّابع لمنظّمة التّحرير الفلسطينية أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م، واستولى على مكتبته الّتي كانت تضمّ أكثر من 20.000 مجلّد ووثيقة.

وبهذا التّدمير سعى الاحتلال إلى تفريغ المجتمع من مردوده الثّقافي وقطع حلقة الوصل في نقل التّراث الثّقافي إلى المجتمع، وإضعاف قدرة أفراده على التّصدّي للمشكلات الاجتماعية، وحرمان الأجيال من استثمار أوقات فراغهم في القراءة والاستزادة من المعرفة أو التّدرّب على إنتاج المعرفة ومشاركتها، وحصر مصادر المعرفة في المصادر الإلكترونية –إن سهل الوصول الآمن لها- إضافة إلى خلق جيل من العازفين عن القراءة، أو القرّاء الضّعاف العاجزين عن قراءة المجتمع وتحليل أحداث.

ثانيا- دور المثقّفين في مواجهة الإبادة الثّقافية:

تشكل الثقافة أهمية بالغة لأي أمة؛ لذلك دأب الفلسطيني على بناء منظومة ثقافية واسعة لا تسمح بتجاوز واقعه وظروفه وأحلامه، مكانياً وعملياتياً، إذ ركز الأجداد على تراث غني بأسراره وتجلياته التاريخية، لمختلف الفنون والآداب، “لدرجة أن أصبح الانتماء لهذا التراث وتعزيزه وإنعاشه جيلا ًبعد جيل، رسالة ثقافية مقدسة توحدت حولها كل الفنون والآداب، متجاوزةً به حدوده الزمانية والمكانية إلى فضاءات العالم الأوسع”.

لذلك ظل المشروع الثقافي الفلسطيني في حالة اشتباك دائم، وخصوصاً مع قيام منظمة التحرير الفلسطينية بتأسيس دائرة الإعلام والثقافة، وما تلا ذلك من تأسيس اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، ثم وزارة الثقافة مع قيام السلطة الفلسطينية عام 1994م، بالإضافة إلى بناء العديد من المؤسسات الثقافية المهمة.

ولأن سياسة الاحتلال الممنهجة تقتضي إعدام الثقافة والهوية الفلسطينية، فإن ما حدث ويحدث من استهداف وتدمير للمكتبات الفلسطينية من قبل الاحتلال الإسرائيلي يمكن أن يعدّ مجزرة ثقافية موازية للإبادة البشرية، فقد كان في غزّة قبل الحرب الحالية (76) مركزًا ثقافيًا، و(3) مسارح، و(5) متاحف، و(15) دار نشر ومركز لبيع الكتب، و(80) مكتبة عامّة أو ضمن مرافق المؤسّسات العامّة والأهلية والخاصّة؛ وذلك وفق بينات وزارة الثّقافة الفلسطينية، كما قدّرت الوزارة نسبة توفّر المكتبات المنزلية الخاصّة بنحو 34% من الأسر في قطاع غزّة.

وثّق جهاز الإحصاء الفلسطيني حتّى 25 ديسمبر 2024م تدمير الاحتلال (52) مركزًا ومؤسّسة ثقافية، و(8) دور نشر وطباعة، و(15) مكتبة عامّة، و(90%) من المكتبات المنزلية، وما هذا كلّه إلاّ لطمس الهوية الفلسطينية، وإبادة كلّ ما هو فلسطينيّ، وتوسيع مجال الإبادة الثّقافية الّتي تحمل مخاطر كبيرة تؤثّر على حاضر ومستقبل المجتمع، وذلك من خلال:

1. فقدان الهوية الثّقافية للأفراد والمجتمعات، ما يجعلهم يشعرون بالانفصال عن تاريخهم وعدالة قضيتهم الوطنية.

2. تدمير التّراث الثّقافي الّذي يُعدّ جزءًا من التّاريخ الوطني الشّاهد على حقّ الفلسطيني في هذه الأرض.

3. تآكل التّنوّع الثّقافي، الأمر الّذي يؤدّي إلى فقدان التعدّدية الثّقافية أو التّحجر الفكريّ الطّارد لمفاهيم التّعايش السّلمي.

4. التّأثير على التّعليم والمعرفة، الأمر الّذي يؤخّر عجلة التّنمية ويفاقم من مشكلات الأمّية الثّقافية والتّعليمية.

5. الشّعور بالاغتراب ورفع مستوى قلق المستقبل لدى النّائشة، الأمر الّذي يؤثّر سلبًا على التّركيب الاجتماعي والنّفسي.

6. توسيع الفجوة بين المستويات الفكرية والثّقافية، الأمر الّذي يزيد من الصّراعات والنّزاعات بين الجماعات المختلفة، حيث يسعى الأفراد للحفاظ على ما تبقّى من ثقافتهم.

7. التّأثير السّلبي على الصّناعات الثّقافية، وتراجع مستوى الإنتاج الثّقافي.

8. تشويه القيم والتّقاليد الّتي تشكّل جزءًا من الهوية الثّقافية للمجتمعات.

9. وعلى ضوء هذه المخاطر كان ولا يزال المثقّفون أحد أهمّ المكوّنات الاجتماعية الفاعلة في المجتمع أوقات السّلم والحرب، ويقع على عاتقهم الإسهام في عملية إنتاج الحقيقة، وتكوين الوعي وإنتاج الثّقافة من خلال ردّ النّاس عن الالتفات إلى مصالح الشّخصية البحتة وتعزيز المصلحة العليا للمجتمع، ومواجهة الشّائعات الّتي قد تحدّ من قدرة النّاس على الاندماج في السّلبية المفرطة.

وهنا، وجب على المثقّف الحقيقي والمشتبك لصالح الحقيقة، ألاّ يكون منحازًا لسلطة ما أو يعمل لصالح جهة بعينها، وألاّ يقف موقف المعارض الّذي لا يستطيع الدّفاع عن رؤيته للأحداث، وألاّ يقف من قضية أبناء شعبه موقف الرّدّة، أو ينكفئ على ذاته دون مشاركة للهمّ الوطني.

ولمّا كانت تجارب المجتمع مع المثقّف رهن بقدرة هذا المثقّف على أن يُفصح عمّا يختلج في أعماق ذلك المجتمع من حاجات خفية، وأن يكشف من خلال تحليله وفهمه عن الرّؤى والأنظار الّتي يشرئبّ إليها وجوده الحي، فإنّ دوره خلال حرب الإبادة الّتي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي على الوجود الفلسطيني يتحدّد بالنّقاط التّالية:

1- توثيق الأحداث: فالمثقّفون يوثّقون الأحداث ويقدّمون شهاداتهم على العصر، الأمر الّذي يُسهم في الحفاظ على الحقيقة للأجيال القادمة؛ فتوثيق أحداث الحرب يعدّ جزءًا مهمًّا من التّاريخ الّذي يمكن أن يُدرس ويُفهم.

2- رفع مستوى الوعي والتّوعية: فالكُتّاب والشّعراء والفنّانون يستخدمون كلماتهم وأعمالهم الفنّية للتّوعية بمآسي الحرب والتّأثير على الرّأي العام، وحمايته من التّشوّه الفكري النّاجم عن ضبابية الأحداث الّتي قد تخلق ازدواجيات فكرية واجتماعية وسياسية عديدة.

3- الدّعوة إلى الحقّ: فالمفكّرون يمكنهم العمل كوسطاء ومروّجين للحقيقة والتّسامح في ظلّ الأحداث الّتي قد تخلق مزيدًا من الانقسام بين مؤيّدٍ ومعارض.

4- تحليل الوضع القائم: حيث يقدّم المثقّفون تحليلات معمَّقةً للأحداث، بما في ذلك الأسباب والنّتائج المحتملة للحرب وتأثيراتها المستقبلية، الامر الّذي قد يُسهم في تطوير استراتيجيات للتّعامل مع الأزمة اجتماعيًّا وسياسيًّا.

5- الدّعم النّفسي والاجتماعي: فالمثقّف حامل معرفةٍ وداعية، يمكنه أن يقترح مبادرات تُخفّف من حدّة الآثار السّلبية للحرب، ويقدّم من الإرشادات ما يعيد بناء الرّوابط الاجتماعية والنّفسية.

6- ترميم الثّقافة: فأعمال المثقّفين والكتّاب في ظلّ ظروف الحرب الّتي تشتّت الفكر، وتذهب بعقول النّاس إلى غير المعرفة والقراءة، يمكن أن تحفظ جزءًا من التّراث الثّقافي والهُوية الثّقافية، وتكون رسالة ومصدر إلهام للشّعوب الأخرى.

7- تصدير الحقيقة والمقاومة الثّقافية: فصوت المثقّفين يمكن أن يكون وجهًا من أوجه المقاومة الثّقافية الّتي تُعرّي الرّواية الصّهيونية، وتثبت الحقيقة الفلسطينية.

يتعاظم دور المثقّفين في مواجهة الإبادة الثّقافية، فهم ليسوا مجرّد مشاهدين للأحداث؛ بل يمكن أن يكونوا أداة للتّغيير، ومصدر إلهام وتحدّي للمقهورين، وقوّة تخترق محاولات التّعتيم على الحقائق، وأداة فاعلة للحفاظ على الهُوية والتّراث الثّقافي.

الخاتمة:

إنّ الصّراع مع الاحتلال لم يعد صراعًا على القضية الفلسطينية الّتي تمتدّ جذورها عبر التّاريخ، والّتي يبدو أنّها استنفذت كلّ المحاولات للحلّ، وإنّما أصبح صراعًا على الوجود الفلسطيني على أرضه، وهذا ما أظهرته جرائم الاحتلال خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة منذ السّابع من أكتوبر 2023، والّتي انتهك من خلالها كلّ المواثيق والأعراف الدّولية والدّيانات السّماوية، وحاول من خلالها القضاء على شتّى أنواع الأعياد الثّقافية، خاصّة المكتبات العامّة.

ولهذا، كان من الواجب اليوم التّحوّل في الخطاب الثّقافي (المحلّي والدّولي) اتّجاه الهُوية الثّقافية الفلسطينية، وبذل كافّة الجهود للحفاظ عليه كوجه من أوجه الحقيقة الّتي يحاول الاحتلال طمسها بشتّى السّبل، وأن يضطلع المثقّفون بدور مختلف يؤسّس لترميم المعرفة الفلسطينية من خلال المكتبة التّقليدية والرّقمية، وتشجيع القراءة ودعم التّعليم وتوفير موارده، والحفاظ على المكتبات الّتي تقوم بدور حاسم في تطوير الحضارات وحفظ الموروث الثّقافي.

المراجع المساندة:

أوفندن، ريتشارد (2021). إحراق الكتب – تاريخ الهجوم على المعرفة، ترجمة: زينة بارودي، الدار العربية للعلوم – ناشرون.

حسنين، رجب (2017). المكتبات الأكاديمية ودورها في إدارة رأس المال الفكري، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة.

سلامة، فواز (2024). حرب الإبادة الثقافية والتطهير المعرفي، المكتبة الوطنية الفلسطينية، متاح على الرابط https://nlp.ps/ar/node/187.

العيد، يمنى (2012). الكتابة: تحول في التحول – مقاربة للكتابة في زمن الحرب اللبنانية، دار الفارابي للنشر، بيروت.

هيسيل، ألفرد (1992). تاريخ المكتبات، ترجمة: شعبان خليفة، المكتبة الأكاديمية، القاهرة.

الهجري، سعد( 2003). المكتبات والمعلومات بالمدارس والكليات، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.

Wilson, Louis (1938). The Geography of Reading: A study of the Distribution & Status of Libraries in the United States, Chicago.

https://anbaaexpress.ma/mpgz1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى