كشفت نتائج استطلاع جديد للرأي العام في إسرائيل عن تحوّل لافت في الخريطة السياسية، حيث بات معسكر المعارضة أقرب من أي وقت مضى إلى انتزاع الأغلبية البرلمانية، في مؤشر يعكس تآكلًا متسارعًا في رصيد اليمين التقليدي بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على وقع أزمات داخلية متراكمة وضغوط اجتماعية وأمنية غير مسبوقة.
ووفق الاستطلاع الذي أجراه معهد “لازار” الخاص ونشرت نتائجه صحيفة “معاريف”، فإن المعارضة ستحصل على 61 مقعدًا في الكنيست من أصل 120، في حال إجراء انتخابات اليوم، وهو ما يمنحها نظريًا القدرة على تشكيل حكومة، وذلك للمرة الأولى منذ نحو شهرين، حتى دون الاعتماد على دعم النواب العرب.
في المقابل، سيتراجع معسكر نتنياهو إلى 49 مقعدًا، فيما يحافظ النواب العرب على تمثيل يناهز 10 مقاعد.
ويكتسي هذا المعطى أهمية سياسية خاصة، لأن عتبة 61 مقعدًا تمثل الحد الأدنى الدستوري لتشكيل حكومة في إسرائيل، ما يعني أن نتنياهو، الذي ظل طوال الأشهر الماضية متشبثًا بأغلبية هشة، بات مهددًا بفقدان السيطرة على المشهد البرلماني إذا ما استمر هذا المنحى التصاعدي للمعارضة.
تآكل الثقة وشخصنة الأزمة
على مستوى الشعبية الشخصية، أظهر الاستطلاع تراجعًا واضحًا في مكانة نتنياهو، إذ لم يحظَ إلا بدعم 37 بالمئة من المستجوبين كرئيس مفضل للحكومة، مقابل صعود ملحوظ لخصومه، يتقدمهم رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت بنسبة 21 بالمئة، يليه رئيس أركان الجيش الأسبق غادي آيزنكوت (12 بالمئة)، ثم زعيم المعارضة يائير لابيد (8 بالمئة).
في المقابل، عبّر أكثر من خمس المستجوبين عن حيرة أو عزوف عن ترشيح أي اسم، وهو ما يعكس حالة ضبابية وفقدان ثقة أوسع في الطبقة السياسية.
غزة… انقسام الوعي الإسرائيلي
الاستطلاع عكس أيضًا انقسامًا حادًا داخل المجتمع الإسرائيلي حول نتائج الحرب على قطاع غزة. فبينما اعتبر 42 بالمئة من المشاركين أن ما جرى يمثل “فشلًا لإسرائيل”، رأى 41 بالمئة أنه “انتصار”، في حين فضّل 16 بالمئة عدم تقديم توصيف واضح.
هذا الانقسام لا يعكس فقط اختلافًا في التقييم العسكري، بل يكشف أزمة سردية عميقة حول معنى الحرب، كلفتها، وجدواها السياسية والأمنية.
قنبلة الحريديم تهدد الائتلاف
في خلفية هذا التحول السياسي، تبرز قضية تجنيد المتدينين اليهود (الحريديم) كأخطر تهديد لاستقرار الحكومة. فبعد سنوات من الحروب واستنزاف قوات الاحتياط، يتصاعد الغضب داخل الأوساط العلمانية وأسر الجنود إزاء استمرار إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.
ويجد نتنياهو نفسه عالقًا بين قرار المحكمة العليا الداعي إلى فرض التجنيد، وبين تهديد أحزاب دينية أساسية في ائتلافه بالانسحاب في حال المساس بهذا الامتياز، وهو ما قد يؤدي إلى تفكك الحكومة من الداخل.
أزمات متراكمة وضغط مؤسساتي
إلى جانب ذلك، يواجه نتنياهو ضغوطًا متزايدة بسبب ملفات تسريبات أمنية وتحقيقات تتعلق بإدارة مكتبه خلال فترة الحرب، فضلاً عن اتهامات بالتلاعب بالرأي العام وتزوير محاضر رسمية، وهي قضايا عمّقت الشرخ بينه وبين المؤسسة الأمنية والعسكرية، ووسعت دائرة الشك في أهليته لإدارة المرحلة المقبلة.
المؤشرات التي يكشفها هذا الاستطلاع وفق مختصين في الشأن الإسرائيلي لا تعني بالضرورة سقوطًا وشيكًا لنتنياهو، لكنها تؤكد أن المشهد السياسي الإسرائيلي دخل مرحلة سيولة غير مسبوقة.
فالأغلبية التي طالما شكلت صمام أمان لليمين باتت مهددة، والمعارضة – رغم تشتتها – بدأت تستفيد من حالة السخط العام.
وإذا ما استمرت الأزمات الاجتماعية والأمنية دون أفق واضح للحل، فإن انتخابات أكتوبر المقبل قد تتحول إلى استفتاء شعبي على حقبة نتنياهو بأكملها، لا مجرد تنافس حزبي عابر.




