تدخل الاحتجاجات المتواصلة في إيران مرحلة بالغة الحساسية، مع اتساع رقعتها في العاصمة طهران وعدد كبير من المدن، وسط قطع الإنترنت وخطوط الهاتف، وتشديد أمني لاحتواء غضب شعبي تغذّيه الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين.
وبحسب معطيات متطابقة، خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع رافعين شعارات مناهضة للنظام، في مشهد يعكس تحوّل الاحتجاجات من مطالب اجتماعية إلى تحدٍّ سياسي مباشر، خاصة بعد ترديد هتافات تستهدف المرشد الأعلى علي خامنئي، في سابقة لافتة من حيث الجرأة والانتشار.
وقد واجهت السلطات الإيرانية هذه التحركات بأساليبها التقليدية، من انتشار مكثف لقوات الأمن والباسيج، واعتقالات واسعة، إلى قطع شبه كامل للاتصالات، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى منذ انطلاق الاحتجاجات قبل أكثر من عشرة أيام.
ورغم إعلان الحكومة عن مساعدات مالية رمزية، اعتبرها الشارع غير كافية، إذ لا تتجاوز بضعة دولارات شهريًا، في ظل تضخم جامح وانهيار متواصل للعملة، ما عمّق الشعور بانسداد الأفق.
احتجاجات في زمن تراجع النفوذ
ما يميز هذه الموجة، وفق محللين، أنها تأتي في سياق إقليمي ودولي غير مسبوق من الضعف والانكشاف للنظام الإيراني. فقد فقدت طهران إحدى أهم ركائز نفوذها بسقوط نظام بشار الأسد، ما أنهى عمقها الاستراتيجي في المشرق، وأفقدها قناة حيوية لتمدّدها العسكري والسياسي.
كما أن انهيار ما كان يُعرف بمحور “المقاومة”، وتراجع أدوار الأذرع المسلحة الحليفة، جعل إيران أقل قدرة على تصدير أزماتها إلى الخارج، وأكثر عرضة للضغط الداخلي.
وفي بُعد دولي لافت، شكّلت الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واعتقاله من طرف القوات الأمريكية ضربة قوية لمحور حلفاء طهران خارج المنطقة، ورسالة واضحة مفادها أن شبكة التحالفات التي كانت تراهن عليها إيران لم تعد قادرة على الصمود أمام التحولات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التلويح بالخيار العسكري، محذرًا طهران من عواقب قتل المتظاهرين، في خطاب يرى فيه مراقبون محاولة لاستثمار لحظة الضعف الإيراني، والضغط على النظام من بوابة حقوق الإنسان والشارع الغاضب.
إيران اليوم لا تواجه مجرد احتجاجات مطلبية عابرة، بل أزمة مركّبة:
– شارع غاضب يطالب بالعيش والكرامة.
– اقتصاد منهك وعملة منهارة.
– نفوذ إقليمي متآكل وتحالفات تتهاوى.
ورغم أن النظام لا يزال يمتلك أدوات القمع، فإن استمرار الاحتجاجات في ظل هذا التراجع الإقليمي يجعل أي معالجة أمنية مؤقتة ومكلفة، ويؤشر على مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، حتى وإن نجح النظام في تأجيل الانفجار، لا أكثر.
وجدير بالذكر أن الاحتجاجات الحالية لم تعد مجرد رد فعل اجتماعي على الغلاء، بل باتت تتقاطع مع اختلال ميزان القوة الإقليمي والدولي.
ومع فقدان الحلفاء وتراجع النفوذ الخارجي، يجد النظام الإيراني نفسه أمام معادلة صعبة: قمع داخلي مكلف، دون غطاء إقليمي أو هامش مناورة دولي حقيقي. رغم أن النظام الإيراني لن يسقط سريعًا، لكن كلفة الاستمرار سترتفع اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا.
يتبع..





تعليق واحد