آراءثقافة
أخر الأخبار

سعيد عقل.. من القومية إلى القومية

شخصية سعيد عقل القومي اللبناني، أحد أبرز منظّري ما عُرف لاحقًا بـ"الفينيقية اللبنانية..

شادي منصور

لا يخفى على أحد أنّ الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل عاش سلسلة تحوّلات فكرية لافتة، عكست حالة الجدل القومي التي طبعت المشرق في مطلع القرن العشرين.

فقد بدأ حياته الحزبية شابًا متحمّسًا في الحزب السوري القومي الاجتماعي، حتى إنه كتب بطلب من أنطون سعادة، نشيدًا كان يُفترض أن يكون أول نشيد للحزب. ومن بين الأبيات التي تُنسب إليه:

«صخبُ البحر أم الموجُ السخيّ / أم بلاد تملأ الدنيا دويّ
سوريا يقظةٌ ملء المدى / سوريا فوق الجميع»

لكن قيادة الحزب رفضت اعتماد هذا النشيد، ما شكّل بداية خلاف بين عقل وبعض المسؤولين. وبعد سنتين فقط، غادر سعيد عقل الحزب، في موقف مبكر يعكس عدم استقراره داخل الأطر التنظيمية المغلقة، وسعيه الدائم إلى صياغة هوية فكرية خاصة لا تتقيد بالانتماءات الحزبية.

بعد خروجه، حاول عقل الاقتراب من الفكر القومي العربي، وكتب نشيدًا لمجموعة طلابية عروبية في الجامعة الأميركية في بيروت. ويبدو أنّ هذا التحوّل العروبي جاء في سياق المدّ القومي العربي الذي جذب الكثير من مثقفي تلك المرحلة.

إلا أنّ تجربته ضمن هذا التيار لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما وجد نفسه أقرب إلى رؤية تعتبر لبنان كيانًا ثقافيًا وتاريخيًا مستقلاً، لا ملحقًا بأي فضاء قومي أوسع.

وفي هذه المرحلة تحديدًا، تبلورت شخصية سعيد عقل القومي اللبناني، أحد أبرز منظّري ما عُرف لاحقًا بـ”الفينيقية اللبنانية”. وقد أدى دورًا كبيرًا في نشر هذا الفكر، سواء عبر كتاباته، أو من خلال تأثيره الثقافي الواسع.

ويُقال إنّ الرحابنة تأثروا كثيرًا بأفكار سعيد عقل عن “اللبننة” وتجسيد الشخصية اللبنانية القروية، بكل جمالياتها وفرادتها، في أعمالهم المسرحية والموسيقية.

كان أحد أسباب انتقاد زياد الرحباني لاحقًا للصورة التي رسمها الأخوان الرحباني عن القرية اللبنانية، رغم أنّ العائلة نفسها معروفة بخلفية فكرية قريبة من القومية السورية.

وهكذا، انتقل سعيد عقل من قومية إلى أخرى قبل أن يستقرّ في مشروع قومي لبناني مستقل، لكن هذا الاستقرار لم يخلُ من التقلّبات الحادّة التي طبعت مسيرته الفكرية.

فالرجل، المعروف بجرأته وشطحاته، لم يتردّد في دفع أفكاره القومية اللبنانية إلى حدود قصوى: من الدعوة إلى لغة لبنانية مكتوبة بالحرف اللاتيني، إلى اعتبار لبنان أمة بذاتها منفصلة جذريًا عن محيطها التاريخي والثقافي.

وقد رأى البعض في هذه الطروحات نوعًا من التطرّف الثقافي الذي يلامس حدود العزلة الفكرية والقطيعة مع الواقع.

من هنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت الوطنية فعل انتماء واعترافًا بالتعدد، فهل يمكن أن تتحقّق داخل خطاب يضيّق الهوية بدل أن يوسّعها؟

هناك من رأوا أنّ عقل ساهم، من حيث لا يقصد، في ترسيخ خطاب لبناني متجهّم ومتعالٍ على محيطه، وهناك من يراه شاعرًا حاول أن يمنح لبنان معنىً خاصًا.. ويبقى السؤال معلّقًا حول مدى تأثيره على أشكال التطرّف الثقافي والسياسي التي نلمسها اليوم في الحياة الحزبية اللبنانية، فهل كانت مواقفه سببًا من أسباب هذا التشدّد، أم مجرّد انعكاس مبكر لتيار أعمق في المجتمع اللبناني تبدى في تلك المواقف؟

هنا تحديدًا، تتقاطع شخصية عقل الشعرية مع الحاضر اللبناني المأزوم، لتمنحنا فرصة للتفكير في معنى الهوية: هل هي فعل ابتكار مستمر يواكب الزمن ويجدد خطابه، أم جدار صلب نرفعه كي نحتمي من العالم؟

https://anbaaexpress.ma/f48lq

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى