آراء
أخر الأخبار

جلدك مالح.. أنت غير مرحب بك بيننا

الطاقات والكفاءات تذهب أدراج الرياح

عبدالمجيد بن شاوية

“إنكم لتعرفون، علاوة على ذلك، بأني مقتنع بأن علينا، نحن الكائنات البشرية التي تسكن الأقبية، أن نلجم أفواهنا. إن إنسان القبو بالطبع، لقادر على المكوث أربعين سنة، وهو صامت في قبوه، إلا أنه ما أن يخرج من جحره إلى الضوء، حتى ينكب على الكلام، ثم الكلام، ثم الكلام..”

مذكرات قبو / دوستويفسكي

حدثني أحدنا على خلفية قراءته لوصلة إعلامية: “لنتأمل مليا في هذه الوصلة الإعلامية الغنية عن كل قول، نسبة هامة جدا هم من الموظفين الأشباح، وهذا العبد الضعيف تكالبت عليه كل أيادي الشر وأصحاب النوايا السيئة، طيلة ثلاث عقود من الزمن بعد أن حصل على شهادة عليا، لكونه حارا علقما، مرا حنظلا، يترك هو وكثيرون في سجون البطالة والتعطيل والتهميش والإقصاء والبطالة المقنعة، وأصحاب الحال وزبانيتهم يتفننون في قتلنا واغتيالنا لحظة بلحظة، ها نحن أمام المرآة الكاشفة بعد أن جادت علينا الأحداث بكل الأسرار التي كنا نعلمها قبلا، لماذا كنا ننادي بدولة تصان فيها حقوق العباد ويكرم فيها الإنسان، وتلزم الجميع بالواجبات عبر المؤسسات الديمقراطية..

أين حقوقنا بعد هذه المسيرة المعطلة التي ضاع فيها الثمين والنفيس والجهور من العمر ؟!!! والله ولينا والحمد لله أنها لن تدوم لأحد من الفاسدين!!!“، انتهى كلامه مقلبا الأوجاع التي ما فتئت أن أنساها أو أتغافلها، لأنه كلما مر الزمن علينا إلا وطفا على سطح الأحواض الآسنة ما يزيد في فضح المستور.

كل نظام اجتماعي بمفهومه الشامل له آلياته الخاصة التي يشتغل عليها، ينسج بنياته الخاصة في علاقاته بين فعالياته المكونة له، يوزع القيم في سوق بورصة القيم المادية والمعنوية والرمزية، بحسب المواقع والمراكز الاجتماعية لكل الأفراد والجماعات والهيئات، ثمة نسق قائم يقوم على ما يشكل الهرم المجتمعي، ارتباطا بما هو مادي ورمزي وبحسب ما يحوزه كل من مكوناته من ماديات ورمزيات معينة، هذا سواء في المجتمعات التقليدية أو بالمجتمعات الحديثة، ولكل زمان معطياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والفكرية.. على ضوئها تتحدد المواقع والمؤسسات، اجتماعيا، ماديا، ثقافيا، أيديولوجيا، سياسيا، ومعتقداتيا..

ومن ثم فكل موقع في الهرم المجتمعي محكوم بما يؤسسه النظام الاجتماعي القائم في كل بلد على حدة، وبحسب تراتبية القيم السائدة، وما تم تأسيسه بناء على تفاعلات المكونات والمؤسسات القائمة بداخله، على اختلاف مشاربها وطبيعتها وأيديولوجيتها..

حيث الإيمان من عدمه بالقيم الإنسانية والمثل المتصورة على محك الواقع المعاش والتجارب المعطاة في حياة الفرد والجماعة والمؤسسات، “إن ميادين العمل هي ميادين الحياة عامة ، وهي كل وظائف الكائن الإنساني والمؤسساتي (الإنسان – الوظيفة – المؤسسة)، داخل مجتمع ما وكيان حضاري ما، لذلك يتم تقسيم الوظائف والأدوار بداخل النسيج الاجتماعي وفي كل مؤسساته ومجالاته، اعتمادا على مقاييس ومحددات معينة (قدرات طبيعية أو علمية، مؤهلات وميولات شخصية..)، حسب ما يتصوره الكائن الإنسان / الفرد / الجماعة اتجاه حقول الحياة عامة، (السياسة، الاجتماع، الاقتصاد، الثقافة، العلم، فضاءات الزمان والمكان، الحضارة..)، ووفق مدى تطور الفرد والمجتمع معا”.

 فقيم سوق العمل/ الوظيفة/ المهنة/ الحرفة، لها محدداتها الخاصة بداخل المكونات المجتمعية، لتعبر بشكل جلي، وما تقرره البنية السوسيو – ثقافية، عن تجليات الهرم المجتمعي، لذلك فالنظام الاجتماعي له من القواعد ما يؤسس مؤسساته طبقا لما يتصور بداخله من تمثلات وتصورات بحسب القوى الفاعلة في ميادين الحياة المجتمعية، سياسيا، اقتصاديا، وأيديولوجيا، إن البنية لها دورها الفعال في تحريك عجلة الفاعلين والقيمين على إيجاد مخرجاتها، وقد تجعل من دائرتها ما هو حبيس تمثلاتها ولا يمكن للفرد تجاوزها، أو الدخول إليها من باب مؤهلات ذاتها، أو معطيات ما قد تتوفر في حاملها، لترسم حدودا ما، بشكل ضيق جدا أمام من يريد الولوج إليها، قد تتعلق بطبيعة الفئة/ الطبقة التي ينتمي إليها، أو الانتماء الأيديولوجي، أو السياسي، أو المعتقداتي، أو الإثني حتى، وغير هذا وذاك..

بل أنها قد ترمي بمن يريد – فردا أو جماعة ما- أن يسطر مشروعا مجتمعيا بعيدا عن العلاقات العضوية، وعن القيم المشكلة للبنية المغلقة، وعن التوجهات الضيقة في تصوراتها للحقول المجتمعية، في إطار مشروع مجتمعي تقدمي حضاري، خارج الأسوار، مغلقة أمامه كل القنوات الممكن ولوجها لتصريف الرؤى والتصورات الرامية إلى الأهداف التاريخية والحضارية، وهو ما يثبت قوة البنية وتحكمها في المسارات المجتمعية، حيث كل الدعوات من هذا القبيل، نادرا ما تجد الأبواب مشرعة في وجه من يريد للمجتمع المزيد من التطورات وتحقيق الطفرات الثقافية والعلمية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية النوعية، ليبقى الحبل مشدودا بين كل الأطراف يتأرجح بين الشد والجذب، وقد يتطور الأمر إلى ما يؤجج الصراعات الأيديولوجية والسياسية على أكثر من صعيد، إلى أن تستقر الأوضاع على شكل من الأشكال..

إلا أنه يبقى معطى أخر يجب أن الإشارة إليه بكل قوة، في العلاقة بين البنية وعموم الجماهير/ الشعب/ الثقافة السائدة، حيث يطرح التساؤل حول مدى الأرضية الثقافية السائدة بداخل الكيانات المجتمعية، ودرجة الوعي الذاتي والموضوعي بالواقع المعاش عموما، إلى أي حد تكون البنية الثقافية السائدة في عقول الجماهير/ الشعب، لها من المرونة ما يسمها بشكل عقلاني تقبل دعوات التجديد والتغيير وعقلنة الواقع بكل إحداثياته؟.

مما لا شك فيه هو أن البنية الثقافية لها من القوة ما يميزها في أن تفعل مسارات المجتمع سواء في اتجاه عقلنة كل ما هو معطى وتجديده بتصورات مثلى، تخدم النظام المجتمعي تقدميا وحضاريا، أو تعمل على شده نحو الوراء تخلفا ونكوصا، ومن ثمة خلخلة بنيات الهرم المجتمعي من عدمها في إطار تفاعل عناصره وفئاته/ طبقاته، وبحسب درجة الإيمانات والمعتقدات تجاه القيم الموضوعية وبناء العلاقات بين مكوناتها، حيث إن سادت بداخلها علاقات ما بشكل عضوي، فإن أمر الخلخلة يتعذر بشكل جلي، وإن انمحت هذه الأخيرة وحلت محلها العلاقات غير العضوية المبنية على الكفاءة والأهلية والاستحقاق المشروع، وعلى المؤهلات العلمية والثقافية والقيمية في ذاتها، سنكون أمام وضع آخر في جوانب كثيرة من حيوات الأفراد والجماعات والمؤسسات بداخل البلد.

“وإنه لمن البديهي أن تأثير الثقافة بكل بنياتها وحمولاتها (بنية دينية ، سياسية ، اجتماعية ، ثقافية..)، على تصور الكائن الاجتماعي لقيمة العمل، ولـ”قيم سوقه” المتداولة بداخل العلاقات الاجتماعية والمؤسساتية، ليتم تحديد وتقسيم الوظائف والأدوار على ضوئه، ومن هنا أمكننا طرح السؤالين التاليين: انطلاقا مما سبق تأطيره نظريا من أية مرجعية تتغذى مؤسسة سوق العمل؟ وما هي طبيعة القيم التي تشكل هذه المؤسسة؟ إن مرجعيات “سوق العمل” بكافة مكوناتها يتم تأصيلها داخل الكيان والاجتماعي والمؤسساتي من خلال ما تلقاه هذا الأخير من سلوك ثقافي يؤطر نظرته ورؤيته للدور والوظيفة، ولمحددات المراكز الاجتماعية بمفهومها العام (السياسية، الإدارية، الاقتصادية، العلمية..).

من هذا المنطلق، إن كانت الثقافة وفواعلها المؤطرة للرؤية تعتمد بالأساس على معايير تقليدية / كلاسيكية في نسج العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، فإن “سوق العمل” وقيمها لا تسلم من هذه الرؤية ولا من الثقافي المحمول والمعمول به في كل الأنشطة والوظائف، وبالتالي لا وجود لقيم ذات أبعاد عقلانية وتقدمية وعلمية، وهذا هو حال مؤسسة سوق العمل بالمغرب بكل إحداثياتها ومكوناتها، إلا أنه إن كان الثقافي قد جدد وغير من رؤيته نحو التنظيم المعقلن لمؤسساته، ونحو القيم ذات الدلالات التحديثية والتطورية، وذات الأبعاد الحضارية والتقدمية، فإنه لا محالة سيغير مقومات “سوق العمل” والوظيفي، فالمفهوم الأول يمكننا الاصطلاح عليه بـ”شخصانية / ذاتية القيم ذي الجذور الثقافية التقليدية الكلاسيكية، أما المفهوم الثاني ذو الأبعاد والارتكازات الثقافية التقدمية والحداثية والممكن الاصطلاح عليه بـ”موضوعية القيم”

وعود على بدء، ففي هذا الإطار تأتي قراءة صاحبنا في مستهل هذه المقالة، وما عليه إلا أن يعيد النظر ويشحذ ملكة التأمل في الواقع المعاش في علاقاته بالهرم المجتمعي وبنياته والقيم السائدة بداخلها، وأن يمعن النظر مليا في طبيعة المراكز والمواقع على جميع المستويات، اقتصاديا، سياسيا، إداريا، اجتماعيا، وثقافيا، ومن ثم يتساءل لماذا بقي في القبو طيلة هذه العقود من الزمن، وبعدها خرج ليتكلم، بل أنه أراد أن يحدد موقعه ولو بقول ما أو كلمة ما.

* كاتب مغربي

https://anbaaexpress.ma/6jj29

‫2 تعليقات

  1. كتابة تفوق الجمال تبارك الله على سيدي عبد المجيد بن شاوية الأستاذ الخلوق دو القلم الحر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى