في شهادة جديدة أعادت فتح النقاش حول واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، كشف الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول أن الملك الراحل الحسن الثاني كان يعتبر أن قضية سبتة ومليلية “المحتلتين” ليست معركة ينبغي أن تحسم في زمنهما، بل ملفاً مؤجلاً للأجيال القادمة، يحتاج إلى نفس طويل ورؤية هادئة تتجاوز الحسابات السياسية الآنية.
هذا المعطى ورد ضمن كتاب جديد أصدرته الكاتبة الفرنسية لورانس ديبراي تحت عنوان “الملك المنزاح عن العرش”، والذي أرادت من خلاله تقديم قراءة شخصية لمسار خوان كارلوس بعد تنازله عن العرش سنة 2014، مسلطة الضوء على محطات شكلت علاقاته الدولية، وفي مقدمتها علاقته المركبة بالملك الراحل الحسن الثاني.

وحسب مضامين الكتاب، فإن الاتصالات بين الزعيمين بقيت مستمرة لعقود، مبنية على مزيج من التعاون الاستراتيجي والاختلاف السياسي.
فرغم التوتر الذي يرافق دائما ملف المدينتين المحتلتين، حافظ الطرفان على قنوات حوار منتظمة قائمة على الاحترام المتبادل وإدراك متبادل لحساسية الملفات المطروحة بين البلدين.
ويشير خوان كارلوس في حديثه إلى أن موقفه تجاه وحدة التراب الإسباني ظل ثابتاً، مؤكداً أنه كان واضحاً وصارماً في هذا الجانب خلال تواصله مع الحسن الثاني.
ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الحساسية إلى قطيعة أو مواجهة مباشرة، إذ ظل النقاش حول سبتة ومليلية محصوراً في إطار تواصلي غير رسمي، دون بلوغ مستوى مفاوضات ثنائية مُعلنة.
ويذهب الكتاب أبعد من مستوى السرد التاريخي، ليحلل مرحلة ما بعد مغادرة خوان كارلوس لإسبانيا، حين تراجعت شعبيته بشكل غير مسبوق بسبب ملفات سياسية وقضائية أثرت في رمزية المؤسسة الملكية.
وتستغل الكاتبة هذه الفترة لتسليط الضوء على رؤية الملك السابق لذاته وللعلاقات التي نسجها طيلة عقود من الحكم، معتبراً أن الحوار مع قادة دول مثل المغرب كان محورياً في موازنة موقع بلاده في المشهد الإقليمي.
دلالات الاعتراف
تكشف شهادة خوان كارلوس أن الحسن الثاني كان ينظر إلى قضية سبتة ومليلية كملف تاريخي ذي حمولة سياسية عميقة، يتطلب مقاربة تراكمية تتجاوز الانفعالات. هذا الفهم ينسجم مع منهج الملك الراحل في إدارة الملفات الإستراتيجية، القائمة على مبدأ “تأجيل الحل لا يعني التخلي عنه”، بل تحويل الزمن إلى أداة ضغط دبلوماسي ناعم.
كما تعكس الشهادة إدراكاً إسبانياً مبكراً بأن موقع المدينتين لن يبقى خارج سياق التحولات الإقليمية. فالقول بأن “الأجيال المقبلة” ستقرر، يحمل اعترافاً ضمنياً بأن الثبات في هذا الملف ليس مضموناً، وأن الزمن قد لا يكون بالضرورة في صالح الوضع القائم.
من جهة أخرى، يكشف الكتاب أن العلاقات المغربية الإسبانية، رغم تقلباتها، لم تنقطع في لحظات التوتر، وهو أمر يعكس طبيعة الارتباط الجغرافي والسياسي بين البلدين، حيث يبقى الحوار ضرورة لا خياراً.
وبينما يقدّم “الملك المنزاح عن العرش” جزءاً من السيرة الذاتية لخوان كارلوس، إلا أنه يفتح في الآن نفسه نافذة تحليلية على كيفية إدارة ملوك إسبانيا والمغرب لموضوع ترتيبي ودقيق مثل سبتة ومليلية، موضوع ظل تاريخياً حاضرا في الذاكرة السياسية، وإن غاب عن طاولة التفاوض الرسمية.
في المحصلة، يعيد الكتاب طرح سؤال مركزي.. هل يظل ملف المدينتين خارج متناول الحل في الجيل الحالي، أم أن التحولات الإقليمية والاقتصادية والسياسية بما فيها الأزمة المتصاعدة في سبتة ومليلية نفسها ، قد تعجل لحظة إعادة صياغة مستقبل هذا الملف في إطار جديد؟




