آراءثقافة
أخر الأخبار

كسر قوالب النمطية.. في كتابات مجيدة محمدي

كتابتها ليست ترفًا لغويًا ولا محاولة لاصطناع الجمال، بل هي فعل حياة، توازن فيه بين الحس الإنساني والفكر، وبين التجربة الخاصة والهم العام..

تبدو تجربة الكاتبة والشاعرة التونسية مجيدة محمدي نموذجًا إنسانيًا وإبداعيًا في المشهد الأدبي العربي الحديث، فهي لا تكتب من موقع المتفرج على العالم، بل من قلب التجربة، من احتكاكٍ مباشر بالحياة، ومن وعيٍ بمعنى الكتابة ودورها في الفهم والتعبير والمقاومة.

منذ بداياتها، لم تكن الكتابة بالنسبة إليها ترفًا أو تزيينًا لغويًا، بل ضرورة وجودية، وسيلة لترميم الذات وتشكيل المعنى في عالمٍ يتآكل فيه الإحساس ويبهت فيه اليقين.

تؤمن مجيدة بأن الكلمة ليست أداة للتوصيل، بل كائنٌ حيّ يولد من رحم التجربة، وينمو بالوجع والحنين والتأمل.

هي تكتب كما يتنفس القلب، لا تخطط للنصّ ولا تفتعل الحالة، بل تتركها تتشكل من تلقاء نفسها، من انفعالٍ صادق أو ذكرى أو مشهدٍ بسيطٍ يتحوّل بين يديها إلى نصٍّ يحمل وهجًا إنسانيًا خفيًا.

إنّها لا تكتب لتقول إنها شاعرة، بل لتبقى على قيد الشعور، لأن الكتابة عندها فعلُ نجاةٍ من الصمت، ووسيلةٌ للبوح حين تضيق اللغة العادية عن التعبير.

وإذا كانت كثير من الكاتبات العربيات قد قدّمن أدبًا يقوم على الانفعال العاطفي المباشر، فإنّ مجيدة تنتمي إلى جيلٍ يوازن بين العاطفة والفكر، بين التجربة الشعورية والوعي الجمالي.

فهي لا تفصل بين ما يُحسّ وما يُفكَّر فيه، لأن النص في تصورها لا يكتمل إلا حين يتعانق القلب والعقل في لحظةٍ واحدة. لذلك فإنّ شعرها يفيض بالعاطفة لكنه لا ينزلق إلى الغنائية المفرطة، ومقالها يتناول الفكر لكنه لا يتجمد في التنظير، بل يظل محتفظًا بنبضٍ إنساني دافئ.

تتحرك مجيدة بحرية بين الأجناس الأدبية دون أن تضع حدودًا صارمة بين الشعر والنثر والمقال. فالشكل، في نظرها، لا يفرض نفسه من الخارج، بل يتشكل من طبيعة الفكرة ذاتها.

حين تتوقد العاطفة وتغمرها الصورة، تأتي القصيدة؛ وحين تشتد الحاجة إلى التأمل والتفكير، تتخذ اللغة هيئة المقال أو الخاطرة الطويلة. لكنها في كل الحالات تظل أمينة لمصدرها الأول: التجربة الإنسانية، بوصفها منبعًا للكتابة لا يمكن تجاوزه.

إنّها تكتب من الحياة، لكنها لا تكتفي بوصفها، بل تُعيد تشكيلها فنيًا لتُبرز ما وراء الظاهر، وتضيء الجانب الإنساني العميق الذي يختبئ تحت التفاصيل. وحين تُسائل الحزن، فإنها لا تندب، بل تحوّله إلى معرفة. وحين تستعيد الذكريات، فإنها لا تتشبّث بالماضي، بل تُعيد بناءه في اللغة كجزءٍ من وعي الحاضر. بهذا المعنى، تصبح الكتابة عندها فعلَ تطهيرٍ وتوازن، وممارسةً روحية قبل أن تكون جمالية.

وفي تأملها لعلاقة الكاتب بعالمه، ترى مجيدة أن الكلمة الصادقة لا تُكتب من الخارج، بل من الداخل، من لحظة تفاعلٍ بين الذات وما يحيط بها. إنّها تعتبر أن الكاتب الحقيقي لا يكتب عن الآخرين، بل يكتب من خلالهم، ومن خلال ما يتقاطع فيهم معه من وجعٍ أو حلمٍ أو سؤالٍ أو حب. ومن هنا تتشكّل خصوصية صوتها الأدبي، فهو لا يصرخ ولا يعلن، بل يهمس بحكمةٍ أنثويةٍ عميقة، تستمد قوتها من هدوئها ومن صدقها.

المرأة في نصّها ليست كائنًا هشًا أو ضحيةً تنتظر الخلاص، بل حضورٌ فعّالٌ واعٍ بذاته، قادر على التفكير، وعلى إعادة تعريف العالم من زاويته الخاصة.

إنها لا تتبنى الخطاب النسوي الشعاراتي، لكنها تُعبّر عن أنوثةٍ ناضجةٍ ترى في الكتابة امتدادًا لطبيعة المرأة ذاتها، في قدرتها على الاحتضان، على الإصغاء، وعلى تحويل الألم إلى طاقةٍ خلاقة.

ومن خلال هذه الرؤية، تتجاوز مجيدة التصنيفات الأدبية والاجتماعية التي طالما ضيّقت على الكاتبة العربية، لتؤكد أن صوت المرأة جزءٌ أصيلٌ من الوعي الثقافي العربي، لا يمكن فصله عن تطوره.

أما في نظرتها للنقد، فهي تراه شريكًا في الإبداع لا خصمًا له، إذ تعتبر أن النص لا يكتمل لحظة كتابته، بل يبدأ حياته الحقيقية حين يُقرأ ويُعاد تأويله.

فكل قراءة تُضيف للنص بعدًا جديدًا، وتكشف جانبًا لم يكن ظاهرًا حتى للكاتب نفسه. لذلك فهي تُقدّر القراءة النقدية التي تُضيء النص، لا تلك التي تُحاكمه أو تحاول تطويعه لمفاهيم جاهزة.

ومع انشغالاتها اليومية كأم وزوجة وامرأة عاملة، تظل الكتابة بالنسبة إليها أولوية داخلية لا يمكن التنازل عنها.

إنها لا تنتظر الوقت المثالي للكتابة، بل تخلق وقتها في خضم الحياة، وتحوّل الضيق والازدحام إلى دافعٍ لا إلى عائق. فهي ترى أن الإبداع الحقيقي لا يولد في الفراغ، بل في قلب الفوضى، حين تشتد الحاجة إلى المعنى، وحين تصبح الكلمة الملاذ الوحيد.

وهكذا، يمكن القول إن مجيدة محمدي تمثل نموذجًا للكاتبة التي تكتب من قلب التجربة، لا من خارجها.

كتابتها ليست ترفًا لغويًا ولا محاولة لاصطناع الجمال، بل هي فعل حياة، توازن فيه بين الحس الإنساني والفكر، وبين التجربة الخاصة والهم العام.

هي تكتب لأنها لا تستطيع التوقف عن الكتابة، لأن الكلمة بالنسبة لها ليست وسيلة للتعبير فقط، بل طريقة للفهم والمواجهة والمصالحة مع الذات والعالم. في نصوصها يتجاور الألم مع التأمل، واللغة البسيطة مع المعنى العميق، فينتج عن هذا التوازن أدب صادق يقترب من القارئ دون تكلف أو استعراض.

في شعرها كما في مقالاتها، يظهر الوعي باللغة ككائن حي، لا كأداة جامدة. كل مفردة عندها تختزن حياة صغيرة، وكل جملة تنبض بما يشبه الاعتراف الهادئ.

وهي في هذا تقدم نموذجًا راقيا في المشهد الأدبي العربي، حيث تتعايش العاطفة والفكر، ويصبح النص مرآة للتجربة الإنسانية بكل هشاشتها وصدقها.

قصيدتها “سقوط الأسماء” مثال واضح على هذا الاتجاه، إذ تمزج فيها بين الذاكرة والفقد، وتطرح سؤالًا عميقًا عن الهوية والحنين ومعنى البقاء. هي لا تكتب عن النسيان كمفهوم فلسفي، بل كحالة بشرية تمسّ كل واحد فينا. القصيدة تمضي بهدوء، لكنها تترك أثرًا لا يزول، لأنها تضعنا أمام سؤال بسيط لكنه موجع: من نكون لو فقدنا ذاكرتنا؟

نص القصيدة “سقوط الأسماء”:

ماذا لو انسكبت الذاكرة من رؤوسنا مثل ماءٍ في إناءٍ مثقوب؟

ماذا لو صرنا نَصحو فجأةً، غرباء عن أنفسنا،

ننظر في المرآة كما لو كانت نافذةً لشخصٍ آخر؟

ليس لنا ماضٍ نستند إليه،

ولا جرحٌ قديم نتحسّسه كلّما مرّت ريح.

كأمٍّ تغمض عينيها عن طفلها

لن نعرف اسم أول حبّ،

ولن نميّز ملامح من رحلوا،

ولن نفهم لماذا نبكي حين نسمع لحنًا معينًا،

أو لماذا نخاف من غرفٍ بعينها.

سننسى كيف كانت الأم تضع يدها على جبيننا إذا اشتعلت الحمى،

وسننسى أن ضحكة الأب كانت موسيقى خفيّة،

نُطفئ بها الليل.

سنفقد طريق العودة إلى الأماكن الصغيرة،

زقاق المدرسة،

بائع الكعك،

شجرة التين التي كانت تؤمن بأسرارنا أكثر من أهلنا.

سنفقد أصدقاءنا القدامى،

لأنّ الذاكرة لن تجد لهم عنوانًا.

سنراهم في الشوارع، فنبتسم كمن يرى وجهًا مألوفًا في حلم،

ثم نُكمل المسير دون أن نعرف لماذا اقشعرّ الجلد.

سننسى كيف كنّا نضحك حين نركض تحت المطر،

وكيف كنّا نرتبك أمام من نُحب،

سننسى الأخطاء الجميلة التي علمتنا الحياة،

والكلمات الغبية التي قالتها قلوبنا بصدق.

ولكن، هل سنجني شيئًا؟

ربما.

ربما سنحبّ الناس بلا ذاكرة سابقة،

سننظر إلى الوجوه كأنها لوحات بلا توقيع،

جميلة، دون أن نعرف لماذا.

سنصافح العالم بأيدٍ بيضاء،

لا تذكر من طعنها،

ولا من ضمّها.

سنبدأ القصّة من سطرها الأول،

بدون ندم،

بدون توقّعات.

لكن، ماذا عن الحنين؟

من أين يولد حين تُخرس ذاكرته؟

أين يسكن من لا ماضٍ له؟

وأين يذهب مَن لا أحد يتذكّره؟

https://anbaaexpress.ma/qippn

محمد المخلافي

كاتب وباحث من اليمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى