شادي منصور
لم يكن التحالف بين القوات اللبنانية وإسرائيل مجرد تفصيل عابر في حربٍ أهلية طاحنة، بل أحد أكثر فصولها دلالة على عمق التداخل بين المصالح الميدانية والفكر السياسي.
فمنذ أواخر السبعينيات، حين اشتد الصراع الداخلي، وتحوّلت الميليشيات اللبنانية إلى جيوش مصغّرة، اختارت القوات اللبنانية أن تربط مصيرها بكيانٍ محتلّ كان يبحث بدوره عن موطئ قدم في لبنان.
فقد وفّرت إسرائيل للقوات السلاح والذخيرة والتدريب، بل استقبلت مجموعات منها في معسكراتٍ داخل الأراضي المحتلة لتلقّي دروسٍ متقدمة في القتال والاتصال.
وتشير وثائق وتقارير متعددة إلى أنّ الزي العسكري لعناصر القوات في تلك المرحلة كان مطابقًا تقريبًا لزيّ الجنود الإسرائيليين، في صورة تختصر عمق العلاقة بين الطرفين.
كان الهدف المعلن هو مواجهة منظمة التحرير الفلسطينية، لكن الجوهر الحقيقي كان تحالفًا كاملاً بين ميليشيا لبنانية وجيش احتلال ضدّ فصيل عربي يقاتل من أجل أرضه.
في صيف 1982، اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان حتى وصلت أطراف بيروت. وكان أرييل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي حينها، يقود العمليات شخصيًا، ويتجوّل في المناطق المحيطة بالعاصمة.
ونُقل عن مصادر إسرائيلية ولبنانية أنه تناول الغداء في مواقع تحت سيطرة القوات اللبنانية، في مشهد رمزي يلخّص العلاقة بين الحليفين.
لكن الحدث الأكثر مأساوية كان، حين اقتحمت ميليشيات القوات اللبنانية مخيمي صبرا وشاتيلا في 16 أيلول/سبتمبر 1982، تحت حماية الجيش الإسرائيلي الذي طوّق المنطقة، وأضاءها بالقنابل المضيئة طوال الليل.
ما حدث خلال يومين صنّفته المنظمات الدولية كإحدى أبشع المجازر في القرن العشرين: مئات وربما آلاف المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين قُتلوا بدمٍ بارد.
أقرت لجنة كاهان الإسرائيلية لاحقًا بمسؤولية غير مباشرة لإسرائيل، وحمّلت أرييل شارون اللوم بسبب سماحه بدخول القوات اللبنانية إلى المخيمات وامتناعه من التدخل لوقف الجريمة.
وهكذا، تحوّلت صبرا وشاتيلا إلى جرح مفتوح في ذاكرة اللبنانيين والعرب، وإلى دليل دامغ على تواطؤٍ بين المحتلّ وميليشيا لبنانية ضد مدنيين عُزّل.
مع نهاية الحرب الأهلية ودخول القوات اللبنانية مرحلة العمل السياسي، تبدّل الخطاب من تحالفٍ عسكري صريح إلى طرحٍ “سيادي” و“محايد” يرفض الاصطفاف في محاور الصراع الإقليمي.
غير أنّ هذا الحياد الظاهري يُقرأ في الداخل اللبناني بوصفه تسويقًا لسلامٍ مشروطٍ مع إسرائيل، خصوصًا عندما يتقاطع مع دعوات غربية لتطبيع العلاقات في المنطقة.
فمن يرى أنّ «لبنان لا يستطيع تحمّل عداءٍ دائم مع إسرائيل» يتجاهل حقيقة أنّ هذا الكيان لا يزال يحتل أراضي لبنانية، وينتهك السيادة يوميًا.
ومع ذلك، لا يخفي بعض الخطاب القواتي إعجابه بالنموذج الإسرائيلي في الاقتصاد والسياسة والأمن، في تماهٍ عقائدي يثير المخاوف من عودة العلاقة القديمة بثوبٍ جديد.
في أروقة بعض العواصم الأوروبية، تُهمس منذ أشهر أحاديث عن لقاءاتٍ غير معلنة بين شخصياتٍ لبنانية محسوبة على التيار القواتي وممثلين عن الكيان الإسرائيلي، تحت عناوين “حوارات تقنية” أو “قنوات تواصل غير رسمية”.
لا تأكيدات رسمية حتى الآن، لكن الصمت المريب من جانب السلطة يزيد الشكوك: هل يعلم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بما يجري؟ أم أنّ لبنان يُجرّ تدريجيًا إلى مسارٍ تطبيعي دون علم مؤسساته؟
قد تتبدّل الأسماء والظروف، لكنّ الذاكرة لا تُمحى. فالماضي الذي يبدأ بتدريبٍ وسلاحٍ وغداءٍ مشترك مع العدو، ينتهي عادةً بخيانةٍ للوطن. ومن ارتدى يومًا زيّ المحتلّ لا يملك أن يلبس اليوم عباءة السيادة.
إنّ صبرا وشاتيلا ليست مجرّد ذكرى، بل شاهد دائم على زمنٍ انقلب فيه بعض اللبنانيين على قضيتهم، فامتزجت دماء الأبرياء برماد الخيانة. وكل محاولةٍ لتبييض هذا التاريخ، أو لتسويغ العلاقة مع الكيان الغاصب باسم “الواقعية”، ليست إلا إعادة إنتاجٍ لجريمةٍ أخلاقية لم تنتهِ بعد.




