أفريقيامجتمع
أخر الأخبار

التنظيم الذاتي للصحافة على محك الأخلاقيات

إن ما يعيشه الوضع الإعلامي والصحفي في السنوات الأخيرة يسيء بشكل كبير لهذا المجال الذي يرتقي لأن يصبح سلطة رابعة موازية للسلط الثلاث الأخرى..

أثار ما جرى تداوله على منصات التواصل الاجتماعي وقنوات اليوتيوب، إلى جانب الصفحات الرسمية لعدد من صناع المحتوى والإعلاميين، جدلًا واسعًا حول ما اعتُبر “فضيحة مداولات لجنة أخلاقيات المجلس الوطني للصحافة”.

فقد أعيد نشر مقاطع مصورة من إحدى جلسات اللجنة، ما أثار موجة كبيرة من النقاش العمومي، وأعاد إلى الواجهة سؤال المهنية والحياد داخل المنظومة الإعلامية، خاصة وأن الأمر يتعلق بآلية من آليات التنظيم الذاتي للصحافة، تقوم على قضاء الزملاء وتحكيم أهل الخبرة.

ويرى متتبعون أن الجدل لا يقتصر على قانونية تسريب تلك المقاطع أو نشرها، بل يتعداه إلى مشروعية تسجيل الجلسات أصلًا، ومعرفة الجهة التي قامت بذلك، وهل تُسجَّل جميع الجلسات بنفس الطريقة وبموافقة الأطراف أم لا.

كما أن اللغة والمصطلحات التي نُسبت لبعض أعضاء اللجنة تثير تساؤلات ملحّة حول البعد الأخلاقي والقيمي للعمل داخل هذه الهيئة، دون الانجرار إلى توتير العلاقة بين مؤسستين أساسيتين في البنية المؤسساتية للبلاد، هما المجلس الوطني للصحافة وهيئة المحامين.

وقد يكون الشخص المعروض على اللجنة فعلًا يستحق عقوبة مهنية، كما قد يكون بريئا؛ والحسم في ذلك من اختصاص جهات قضائية مخوَّلة.

غير أن تداعيات الحادث أعادت طرح سؤال النزاهة والحياد والموضوعية لدى من يفترض فيهم الالتزام بأعلى درجات الأخلاقيات المهنية، بصفتهم صحفيين أوّلًا، ثم باعتبار مسؤولياتهم الجديدة في الفصل بين الصحفيين فيما يعرض عليهم من قضايا.

وبعد إعلان المجلس الوطني للصحافة متابعته قضائيا لناشر المقطع، وفتحه تحقيقًا لتحديد المسؤولين عن التسجيل والتسريب، يُنتظر أن تتضح الصورة كاملة، سواء فيما يتعلق بمشروعية تصوير الأشخاص دون علمهم، أو بمدى صحة المقطع، أو احتمال لجوء البعض إلى الفبركة والتلاعب التكنولوجي، مع ترتيب المسؤوليات وفق القانون.

إن ما يعيشه الوضع الإعلامي والصحفي في السنوات الأخيرة يسيء بشكل كبير لهذا المجال الذي يرتقي لأن يصبح سلطة رابعة موازية للسلط الثلاث الأخرى، خصوصًا مع محاولة سطو بعض المؤسسات الإعلامية العملاقة على المشهد الإعلامي وإخراجه من التنوع والاختلاف نحو نسق من النمطية والخط التحريري الموحد، الذي يسعى لمصادرة حق الآخرين في التعبير وتقبل الاختلاف في الرأي. كما أن تقوية بعض اللوبيات الإعلامية الضخمة من شأنه أن يضر باستقلالية الصحافة.

إن ما وقع من أحداث خلال السنوات القليلة الماضية يفرض، أكثر من أي وقت مضى، إعادة النظر في النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة للصحافة والصحفيين ومؤسساتهم الهيكلية، ولعل أولها الإسراع في إخراج قانون المجلس الوطني للصحافة في شكل يضمن تنوع الأصوات داخله، وتقبل الاختلاف لإغناء النقاش، والخروج من غرف الصدى التي تقصي كل مخالف باستعمال قوة الأغلبية العددية، وفتح المجال ليكون المجلس فضاءً يستوعب جميع الآراء، ويقرب بين وجهات النظر، ويقوي الجسم الصحفي لا يضعفه.

https://anbaaexpress.ma/19c0s

ياسين المصلوحي

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى