أعاد التقرير السنوي الصادر عن معهد “سيرفانتس” تسليط الضوء على الحضور المتنامي للغة الإسبانية داخل المغرب، بعدما وضع المملكة ضمن أبرز الدول غير الناطقة بالإسبانية التي تضم أعلى عدد من المتكلمين بها، في مؤشر يعكس استمرار تأثير هذا الموروث اللغوي والثقافي داخل النسيج المجتمعي الوطني.
وكشف التقرير، الذي نقلت مضامينه صحيفة El Independiente، أن مجموع المتحدثين بالإسبانية في المغرب يناهز مليوني شخص، مع تسجيل تباينات واضحة بين المتكلمين الأصليين وبين الفئات التي اكتسبت اللغة عبر الدراسة أو الاحتكاك الثقافي.
وبحسب المعطيات ذاتها، فإن حوالي مليون و800 ألف مغربي يستخدمون الإسبانية بدرجات متفاوتة، بينهم ما يفوق 136 ألف متحدث أصلي، إلى جانب أكثر من مليون و750 ألف شخص ممن يصنفون ضمن شريحة ذوي الكفايات المحدودة. هذا التصنيف يضع المغرب في المرتبة الرابعة عالمياً خارج الفضاء الإسباني من حيث عدد المتكلمين.
وتشير الوثيقة إلى أن الأقاليم الجنوبية ما تزال تمثل النواة الأكثر كثافة للناطقين بالإسبانية داخل البلاد، نتيجة عوامل تاريخية واستعمارية ومعرفية تراكمت على مدى عقود.
كما يبرز أن الفئات العمرية المتقدمة، خصوصاً ممن تجاوزوا سن الخمسين، تشكل نسبة مهمّة من المتحدثين، وهو ما يعكس امتداد الإرث اللغوي بالمنطقة.
ووفق تقديرات عام 2025، يُقدَّر عدد سكان هذه الأقاليم بنحو 673 ألف شخص، وتشير البيانات إلى أن حوالي 18 في المائة من هذه الفئة العمرية ما تزال تحتفظ بالإسبانية كلغة تواصل يومي أو ثقافي.
وبالرغم من تغيّر البنى السوسيولغوية على المستوى الوطني، فقد حافظ معهد “سيرفانتس” على نسبة 4.6 في المائة كمؤشر رسمي لمستوى حضور الإسبانية بالمغرب، بهدف ضمان استمرارية السلاسل الإحصائية، رغم أن جزءاً من البيانات المرجعية يعود إلى سنوات سابقة.
ويلفت التقرير كذلك إلى أن الإسبانية ليست لغة وافدة جديدة على المجتمع المغربي، بل مكوّن لغوي عريق ارتبط تاريخياً بمناطق الشمال والجنوب، واستمر حضوره بفعل الروابط الاجتماعية والتجارية والثقافية مع الجوار الإسباني واللاتيني.
ويؤكد أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعاً لافتاً في الطلب على تعلم اللغة داخل المؤسسات التعليمية والمعاهد الخاصة والجمعيات الثقافية، في سياق ما يبدو أنه توجه إستراتيجي لدى فئات واسعة للاستفادة من الفرص الأكاديمية والاقتصادية المرتبطة بالعالم الإسباني.
ويشير التقرير إلى أن البنية المؤسساتية لمعهد “سيرفانتس” داخل المغرب والتي تضم ستة فروع موزّعة بين الرباط والدار البيضاء وطنجة وتطوان ومراكش وفاس تمثل محوراً رئيسياً في دعم انتشار الإسبانية، دون حاجة إلى توسيع الشبكة نحو مدن أخرى.
فهذه المراكز، بحسب التقرير، تُعدّ قاعدة قوية تتيح تعزيز الإشعاع الثقافي الإسباني وتوسيع قاعدة المتعلمين ضمن سياسة ثقافية واضحة المعالم.
وتظهر هذه المؤشرات في مجملها أن المغرب يتجه نحو مرحلة جديدة من حضور الإسبانية، مرحلة تتحول فيها اللغة من مجرد إرث تاريخي إلى رافعة تواصلية وثقافية تواكب دينامية الانفتاح على الفضاء الإيبيري والأمريكو لاتيني، مع ما يرافق ذلك من رهانات دبلوماسية واقتصادية وثقافية مرشحة للارتفاع مستقبلاً.




