سيداتي بيدا
في عالمٍ يضجّ بالأخبار القاتمة وتغمره مشاهد الأنانية واللامبالاة، يطلّ بين الحين والآخر شعاع أمل يذكّرنا بأن الخير ما زال يسكن القلوب، وأن البطولة الحقيقية لا تُقاس بالجنسية ولا تُختزل في الألقاب، بل تتجلّى في الفعل النبيل حين يُختبر الإنسان في لحظة الخطر.
تلك اللحظة كانت كفيلة بأن تجعل اسم نورالدين، المهاجر المغربي المقيم في إيطاليا، يتردّد على ألسنة الملايين. رجل بسيط، لا يعرفه أحد قبل ذلك اليوم، لكنه في دقائق معدودة خطّ بيديه حكاية إنسانية خالدة.
حين اشتعلت النيران في حافلة مدرسية تقلّ أكثر من خمسين طفلًا، وعمّ الهلع المكان، لم يتراجع نورالدين كما فعل كثيرون، بل اندفع نحو اللهيب، مدفوعًا بنداء داخلي أقوى من الخوف. كسر الزجاج بيديه العاريتين، وراح يسحب الأطفال واحدًا تلو الآخر، مطمئنًا إياهم بصوتٍ مفعم بالثبات والعطف، حتى أخرج آخر تلميذ من فم النار، قبل لحظات من الانفجار.
ذلك المشهد البطولي لم يمرّ مرور الكرام؛ فقد تصدّرت صور نورالدين الصفحات الأولى للصحف الإيطالية، وتسابقت القنوات على رواية قصته، مُطلقة عليه لقب “البطل المغربي”. أحد المعلقين كتب مؤثرًا: “نورالدين لم ينقذ أطفالنا فحسب، بل أنقذ إنسانيتنا التي كدنا نفقدها”.
ما فعله هذا الرجل لم يكن مجرّد عمل شجاعة عابر، بل رسالة حضارية صادقة تُعيد الاعتبار لصورة المهاجر العربي والمسلم، وتؤكد أن قيم النخوة والرحمة لا تحدّها الجغرافيا، ولا تعرّفها وثائق الإقامة، بل تنبع من جوهر الإنسان.
في زمنٍ تُمتهن فيه صور المهاجرين بالأحكام المسبقة، جاء نورالدين ليقلب المعادلة بالفعل لا بالقول. لقد أبان أن الغربة لا تُطفئ جذوة المروءة، وأن الشهامة ليست امتيازًا وطنيًا، بل سلوكًا إنسانيًا عالميًا.
واليوم، بينما تتصاعد الدعوات في إيطاليا لتكريمه رسميًا، اكتفى نورالدين بكلمات بسيطة تختصر كل شيء: “ما قمت به واجب إنساني، لم أبحث عن مجدٍ أو شهرة، كنت فقط أستجيب لنداء الضمير”.
هكذا يصنع الأبطال الحقيقيون مجدهم؛ لا أمام الكاميرات، بل في لحظة صدق تتوهج فيها الروح وسط العتمة.
لقد علّمنا نورالدين درسًا خالدًا: أن النور لا يُولد إلا من النار، وأن البطولة الحقّة تُكتب بأفعالٍ لا تُنسى، وإن صدرت عن أكثر الناس تواضعًا.

2 تعليقات