قال البروفيسور عبد الله الطيب في ديوانه “أصداء النيل” متحدثاً عن الوفاء لمحبوبته:
سأذكرها والشيب شامل فرعها * كعهدي به إذ هو بهيم،
ولقد ذقت أصناف المودة قبلها * وكنت امرئ عند الوفاء ادوم،
فما بدلت مني العهود ولا رعى * حماي الذي للأصدقاء نموم.
قلت: التصوير الفني ههنا جيد لكن المعنى ضعيف، إذ الأجود أن يكون على عهد واحد مع واحدة فقط، فلا ضامن لوفاءه لمن كانت قبلها، حتى يكون مداوماً على حب من بعدها، فكيفما وصل الوفاء إلى المحبوبة المعنية صار ضرباً من التصوير الفني الجيد، لا مثالاً يقتدى به في الحب ولا في النظم.
سبق أن نبهت إلى تعليق البروفيسور عبد الله الطيب عن أبي القاسم الشابي في كتابه المرشد لعله الجزء الثالث أو الرابع (ب)، حين قال مادحاً محبوبته:
كل شيء فيك رائع حتى * لفتة الجيد واهتزاز النهود،
فانبرى له المجذوب / كما انبرى ابن الباقلاني لامرئ القيس / قائلاً: هذا ليس بكلام شاعر، كيف لك أن تقول / وذكر البيت / وأنت تحفظ القرآن الكريم؟، فانبريت له في كتابي ” قبضة من أثر الأديب ” ط ٢٠٢٠، فقلت:
ألست القائل في ديوانك ” أغاني الأصيل “:
لثما كمنقار الطيور ونحتسي * من سلاف لماك المعسولا،
فكيف لك ذلك وأنت تحفظ القرآن الكريم كاملاً وفسرته في أحد عشر سنة، فهذا مدعاة للجنس، ألا ترى؟.
أما أخو الوفاء بحق فهو الكندي جندب بن حجر، القائل:
افاطم مهلاً بعض هذا التدلل * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي،
( وفي رواية : هجري )
قد اغرك مني أن حبك قاتلي * وأنك مهما تأمري القلب يفعل،
وإن تك قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل،
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل.
على كلٍ، لم يوفق المجذوب في المداومة على الوفاء لمحبوبته في هذه القصيدة الطويلة، لكنه وفق فيما عداها من نفس الديوان “أصداء النيل” حين قال:
لولاك أنت لكان العيش أجمعه * صوب من حميم آسن آني،
آويتني حين لا قربى ولا نسب * إلا الوداد وعطف منك ليس بالواني.
رب قائل: هذه تداعيات الشعر وبعض نفثاته وسحره حين يقف منه الشاعر موقفاً ما فتتغير الكلمة وفقاً لتغير الإحساس، وهذا رأي حسن بلا شك، لكن، تجربته أول الديون لا تنبئ بذلك والله أعلم أي ذلك كان.
أما قولي أنا عن محبوبتي في افضليتي على المجذوب تكهناً:
الحب يا حسناء نارا * فأوقدي النبضات نارا،
وقلب الهوى معبدي * وله قلب الفتى طارا.
راجع أول قصيدتي “كأس الهوى” من ديواني الصادر مؤخراً (على مشارف السبنتا) في أبيات طويلات من ذات السنخ والمنحى والمعنى.
هذا! يختلف الوفاء في الشعر فعلاً بتغير المواقف الداعية لذلك، لكن أنا أفضل الالتزام بمحبوبة واحدة فقط لها خاصية محببة ومقربة إلى نفسي من عدة محبوبات، وهدك من أبيات الحكمي الطائي حين قال:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * فما الحب إلا للحبيب الأول،
وكم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأول منزل.
وقد سارت بهما الركبان أرض المحشرين، فتمهل يا صاح.
مثال: في ذكر أبيات للشاعر الكبير القدير سيف الدين الدسوقي – رحمه الله – فيما غناه الفنان الكبير الذري إبراهيم عوض / رحمه الله / قال:
ونحن في الأيام بقينا،
قصة ما بتعرف نهاية،
ابتدت ريدة ومحبة،
وأصبحت في ذاتها غاية،
كنت تمنحني السعادة،
ولي تتفجر عطايا،
ولما أغرق في دموعي،
تبكي من قلبك معايا.
وأنا لم أجد أروع ولا أدق ولا أعذب وصفاً في الصور التعبيرية في كل المجالات الحياتية الشعرية وبالتحديد العاطفي منه أصدق نبلاً من الشعر الغنائي السوداني، ولقد قابلت المرحوم الدسوقي إبان دراستي الهندسة المدنية قبل واحد وثلاثين سنة، ومعي من أحب “الواحدة لا غيرها”، فبادرته ارتجالا وأنا أسلم عليه ويدي ممسكة بيده:
أنا شاعر غنى للحكومات في العهد التليد،
أنا اهزوجة الزمن المهيب،
أنا اضطراب خواطر تجلو الطريق،
تهدهد النفس الضحوكة بالقريض،
امزج الحب بالمداد،
بالدم الفوار من أم العروق.
فقاطعني قائلاً: انت شاب جميل ومهذب، في زول قال ليك انت شاب جميل ومهذب؟ وأخذ يضحك، رحمه الله رحمة واسعة.
هذا: ولقد ذكر المجذوب في مرشده الجزء الرابع (ب) الدسوقي، وكان معجباً به أشد الإعجاب ولا يخفى لمن يعرف انطباعية شخصية المجذوب في حبه وكرهه للأشياء والأحياء بلا مجاملة.
والدسوقي شاعر مفعم بالجمال ممتلئ به حتى النخاع وبالعاطفة المشبوبة بالصدق والمصداقية، فتجد شعره سلساً متدفقاً معبراً عن حالته النفسية الشعرية الثابتة أو المتغيرة، فهو شاعر بالفطرة والخبرة والفكرة ووحدة الموضوع والابتكار والتجديد والإبداع، فلا تجد في شعره التكلف أو الصناعة، بينما تجدها في شعر بعضهم البعض يتضح ذلك من الأداء وحسن البحبوحة ومطالع الشعر ومقاطعه، اسمعه معي حين يدندن الجابري بشعره:
مافي حتى رسالة واحدة بيها اطمن شوية،
والوعد بيناتنا كل يوم تكتب إليا،
هل يجوز والغربة حارة،
وبالخطاب تبخل عليا،
لما آخر مرة شفتك قبل ما أودع واغادر،
كنت حاسس إني خايف،
إني متردد وحائر،
داير اتصبر أمامك،
داير أضحك وماني قادر،
بس دموعك لما فاضت،
ضيعت صبري الشوية،
وصحت موعدنا الرسائل،
وين رسايلك وين خطاباتك إليا.
لكن، عبد الله الطيب، رائع للغاية في ديوانه “أغاني الأصيل”، ففيه السهل الممتنع الذي لا يتاح إلا له وحده، أما نظيره فقليل إن لم يكن معدوماً أصلا، ولا أعرف كيف صنفه النقاد بعدم الشاعرية، ربما لجديته والتزامه الصارمين بالعلمية الأدبية في دراسة الأدب والنقد العربيين القديم والحديث بعامة وخاصة، وقد استنكر مستغرباً باسماً ضاحكاً من هذا الرأي، قال: (لا أعرف لماذا يقول النقاد أنني لست بشاعر / ويتبسم ضاحكاً من قولهم ههنا / لكن للنقاد رأي آخر)، ولم يغضب ولم يخاصم أو يقاتل أو يهاجم أو يعترض، بل استسلم للنقد من طرف ديمقراطي بائن.
قال في “أغاني الأصيل” مطلع القصيدة:
مهلا فداك النفس يا عطبولا،
لثما كمنقار الطيور ونحتسي من سلاف لماك المعسولا،
والشعر أسود خصلتاه حيزتا * نحو القذال فصارتا إكليلا،
فنظرت حسن لون ذراعها * وبصرت إلي طويلا،
( واغرورقت عيناها والتفتت إلي تريد حلولا )،
في القلب من ذات الدلال شرارة * بالأمس زادت هل رأيت النيلا.
هذا إن لم تخني الذاكرة، فآخر عهدي بالقصيدة قبل اثنين وثلاثين سنة، فتأمل ولا تعتب علي أصلحك الله.
وبكى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، بدمع الدم سخيناً، فهو من قدمه لقراء العربية فأوفى إليه الكيل كيلين وزيادة، حين قال أول كتابه المرشد الجزء الثاني:
واعياني البيان وكيف يجزى * جميلك أيها الشيخ الجليل،
عرفتك في الصبا وغبرت دهرا * وحبك في الجوانح ما يزول،
عرفتك في صحائف مشرقات * كأن سوادهن الطرف الكحيل.
فهذا وفاء من سنخ لا نظير له بلا ريب.
وبالمناسبة، لعبد الله الطيب، قطع طِوال في الوفاء للزمان وللمكان وللإنسان [راجع قصيدته المعلقة “عرج على جوس”، التي كتبها وهو بنيجريا، آخر كتابه “من نافذة القطار”]، لكنه يرى أنه قوبل إلى حد ما كبير بالحسد والجفاء وعدم الوفاء، مما بخس حقه وقل قدره، قال:
صار ينوه بي من ليس من وطني * وبات يحسدني أهلي وجيراني،
وقال تمام أبيات القصيدة أعلاه:
ومحسدا وأحب شيء أنني * ألفيك عندي بكرة وأصيلا.
وله رأي وافر في الحسد والوفاء، فلينظر في موضعه.
هذا! وليس في الوفاء أصدق من قول متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالكاً، قال:
سقى الله أرضا حلها قبر مالك * ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا،
آثر سيل الواديين بديمة * ترشح وسميا من النبت خروعا،
فوالله ما اسقي البلاد لحبها * ولكنني اسقي الحبيب المودعا.
أما قولي: “أنا أفضل من عبد الله الطيب”، فهذا لزوم نقد الأدب بأدب، لا إساءة الأدب بالأدب، فعلم الله واسع بلا شك، ورحم الله الجميع ممن ذكرت.




