عبدالله فضّول
نحن البشر، كائناتٌ أثقلتنا الأوهام، ننسجها حول وجودنا كما تُنسَج الخيوط الواهية حول قصورٍ من رمال. وما إن تلامس أصابع التفكير البسيط سطح الحقيقة، حتى يتهاوى جزءٌ من هذا البناء المُزيّف.
لطالما كان وهمنا الأكبر يكمن في قطعة زجاج صامتة: المرآة. توهّمناها صفحةً باردة، قادرة على عكس الصورة وتجميل ما يمكن تجميله، وكأننا نُلقي عليها مسؤولية ترميم شروخ الزمن والذاكرة في ملامحنا.
لقد حددنا لها وظيفةً واحدة: أن تُعيد صياغة مظهرنا الخارجي، وأن تكون شاهدًا مُجاملًا يخدم رغبتنا العميقة في الهروب من الحقيقة اللحظية.
لكن هذا السطح الصامت، الذي نظنّه مسجونًا في حدود الانعكاس، يُخفي خلف بريقه البارد فلسفةً قاسية ترفض المجاملة، وتُصرّ على أن تُعلن: أنا بلا ذاكرة، لذا أنا الحقيقة.
في لحظة مواجهة صامتة، نقف أمام المرآة، لا لنرى وجوهنا، بل لنبحث عمّا فقدناه فينا. نكتشف أنها بلا ذاكرة، بلا تاريخ. لا تحفظ ابتساماتنا القديمة، ولا تسترجع ملامحنا حين كنا أكثر إشراقًا. إنها صفحة بيضاء، لا تعرف الأمس، تنتظرنا لنكتب عليها وجوهنا من جديد.
كم مرة نظرنا إلى المرآة لا لنكتشف ملامحنا، بل لنطمئن أننا ما زلنا نحن؟
كم مرة تمنينا أن تعكس لنا ما نشعر به، لا ما نبدو عليه؟
نعرض عليها فرحنا أو وجعنا، فتنعكس اللحظة فقط، ثم تنسى كل شيء. إنها العاكسة التي لا تنحاز إلا لما يُعرض أمامها. ترفض أن تمنحنا ما نريد، وتُصرّ على أن تُظهرنا كما نحن، لا كما نتمنى أن نكون.
لا تجامل ملامحنا حين نكون منكسرين، ولا تسترجع لنا لحظات الفرح التي مرّت. تقف ضد رغبتنا في التجمّل، وتُصرّ على أن تعكس الحزن حين نبحث عن عزاء، وكأنها تقول: لا مفرّ من الحقيقة.
ومع العمر الذي يترك آثاره على وجوهنا، ومع ثقل الواقع الذي يرهقنا، ومع إرهاصات التعب التي تتسلل إلى أعيننا، اشتهينا أن تجاملنا المرآة، أن تزيّن لنا ما تبقّى من نور.
لكنها تأبى، وتحملنا على مواجهة أنفسنا دون رتوش، دون رحمة.
المرآة متلصصة حين نمرّ أمامها دون انتباه، ترصد ارتباكنا، وتكشف ما نحاول إخفاءه حتى عن أنفسنا. هل ترشدنا حين تكشف عن ملامح لم نعد نعرفها؟ هل تضعنا أمام حجمنا الحقيقي حين نبالغ في تصوّرنا لذواتنا؟ ومهما حاولنا أن نغضّ الطرف، تظل هي هناك، تُصرّ على أن تقول لنا: هذا أنت.. الآن.
حقًا، المرآة ككثير من الأشياء، والآلات، والأدوات، والمظاهر التي تحيط بنا دون أن ندرك أبعادها، أو نُصغي إلى رسائلها الصامتة. نُحدّد لها وظيفةً واحدة: أن تعكس، لكنها في الحقيقة تُواجه، تُفضح، تُعلّم، وتُربك.
فهل نحن من نختزل الأشياء، أم أن الأشياء هي التي تختزلنا؟
وهل نحن من نُلبسها معانينا، أم أنها من تُعرّينا من أوهامنا؟
ربما لا نحتاج إلى مرآة، بل إلى عينٍ ترى ما وراء الانعكاس.
* كاتب وقاص للقصة القصيرة جدا





الإبداع عنوانك وأفكار حبلى بمعاني تحرك وتدغدغ القارئ المتلقي بأسئلة فلسفية إستفزازية تبحث في حقيقة الذات و انشغالاتها في صراعها مع الوهم الحالم والحقيقة المرهقة .. ويبقى الزمن الفيصل للكشف للذات من تكون دون مجاملة منه . جميل جدا أخي وأستاذي الفاضل عبدالله فضول تحيات و محبات