أفريقياسياسة
أخر الأخبار

الملكية في المغرب.. هوية وانتماء قبل أن تكون نظام حكم

ما يميز الملكية المغربية أنها لم تُفرض على الوعي الشعبي، بل وُلدت من داخله.

عندما يُثار موضوع الملكية في المغرب، غالبًا ما ينصرف التفكير مباشرة إلى بعدها السياسي والدستوري باعتبارها نظام حكم ينظم الحياة العامة.

لكن هذا الاختزال يظلم حقيقة الملكية في عمقها المغربي، فهي أبعد من كونها مؤسسة سياسية، لأنها جزء من وجدان جماعي وهوية ممتدة في الزمن، تمنح للمغاربة إحساسًا بالانتماء يتجاوز حدود الدولة الحديثة.

لقد نُسجت علاقة المغاربة بالملكية عبر قرون طويلة من التفاعل بين الشرعية الدينية والتاريخية، وبين الحاجة إلى رمز يوحد الجماعة ويقيها التفرقة والتمزق.

فمفهوم البيعة لم يكن مجرد عقد سياسي، بل كان فعل انتماء صادق، يضع الفرد داخل كيان أوسع من ذاته، كيان يجد تجسيده الأسمى في شخص الملك. من هنا نفهم لماذا ظل التشبث بالملكية حاضرًا في الذاكرة والوجدان رغم تغير الأزمنة وتقلب الظروف.

وإذا رجعنا إلى صفحات التاريخ، سنجد أن المغرب واجه صراعات داخلية وضغوطًا خارجية كثيرة، غير أن مؤسسة الملكية كانت دائمًا بمثابة الضامن لوحدة الكيان الوطني.

لقد حافظت على استمرارية الدولة وأعادت بناء الثقة كلما اهتزت الأوضاع. لهذا لا يُنظر إليها كمجرد سلطة حكم، بل كذاكرة مشتركة، وكحارسة للمعنى العميق الذي يعطي للمغاربة إحساسًا بالدولة.

الملكية أيضًا أحد أبرز محددات الهوية المغربية في بعدها المركب والمتعدد. فهي تجسد التوازن بين الدين والدنيا، بين الأصالة والتجديد، بين التنوع الثقافي والاندماج الوطني. في بلد غني بتعدد لغاته وثقافاته وأعرافه، شكلت الملكية الجسر الذي جمع هذا التنوع وصهره في وحدة متماسكة.

لذلك يصعب تصور المغرب ككيان سياسي وحضاري دون أن تكون الملكية قلبه النابض.

ما يميز الملكية المغربية أنها لم تُفرض على الوعي الشعبي، بل وُلدت من داخله. المغربي حين يتحدث عن الملك لا يراه فقط كرئيس للدولة أو حاكم يسهر على إدارة الشأن العام، بل يراه رمزًا ذا جذور في التاريخ والدين والذاكرة الجماعية.

هذه العلاقة الوجدانية تجعل من الصعب تفسير حضور الملكية بالمعايير السياسية وحدها.

إن ارتباط المغاربة بالملكية هو في الآن ذاته ارتباط بالاستقرار والدفاع عن الهوية. فالاستقرار هنا ليس مجرد غياب للفوضى، بل استمرارية لمسار طويل من المعنى التاريخي، واستمرارية لشعور المغاربة بذواتهم وبتجذرهم في أرضهم.

وفي زمن يشهد تفكك الروابط التقليدية وتلاشي الحدود بين الشعوب، تظل الملكية نقطة ارتكاز راسخة، تضمن للمغربي يقين الانتماء إلى كيان تاريخي متجذر، لا إلى فضاء سياسي عابر.

لهذا كله، يصعب اختزال الملكية في المغرب في بعدها المؤسسي وحده. إنها قبل كل شيء هوية وانتماء، ذاكرة ورمز، ومرساة وجودية تحفظ المغاربة من التشتت وسط عالم سريع التحولات. هي ليست مجرد مؤسسة تدير شؤون البلاد، بل جوهر يحدد معنى الوطن في المخيال الجماعي.

https://anbaaexpress.ma/zvqh9

محمد بوفتاس

كاتب صحفي وسيناريست مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى