السياسي العراقي مُلا بختيار، وجد أن هناك علاقة عكسية، بين جودة القيادات السياسية والدورات الانتخابية. بالنسبة لبختيار فإن العراق عام 2025 تقدَّم كثيراً نحو “الوراء”.
أمّا سبب هذا التقدُّم “القادة ليسوا بمستوى الحدث”. باختصار، السياسي العراقي بعد 2003 بدأ برتبة قائد ليصغر إلى حجم قُوَيْد عام 2025.
الكرنفال الأخير للنظام السياسي، كان استبعاد عدد كبير من المرشَّحين للمشاركة في انتخابات نوفمبر القادمة. أطرفُ تطبيق لآليات الاستبعاد كان من نصيب النائب سجاد سالم “متهم بألف قضية”. كانت هذه الألف سبباً لاعتباره فاقداً لشرط “حُسن السيرة والسلوك”.
الأكثرُ طرافة بأنَّ آلية الاستبعاد التي اكتفت باتهام النائب، ليس لها مثيل في العالم. حتى في الولايات المتحدة كانت اقتراحاً بحثياً لاستبعاد القضاة الفيدراليين المشكوك بأدائهم الوظيفي؛ أي أن يكون الاتهام لوحده، سبباً كافياً في تطبيق شرط حُسن السيرة و السلوك. أُرجِّح أن التطبيق العراقي كان تقليداً إبداعياً، لاقتراحٍ أمريكي مرفوض.
هدف النظام السياسي من وزن قُوَيْد في 2025، ليس الرجوع إلى مستوى استبعاد المرشَّحين في انتخابات 2010 (أبعدت650 مرشحاً)، أو تسجيل رقم قياسي جديد. قُوَيْد يريد التملُّص بواسطة “حُسن السيرة والسلوك”، من تطبيق المادة 36 من قانون الأحزاب التي تمنع مشاركة واجهات سياسية لمجموعات مسلَّحة.
النظام يسعى كذلك من خلال استبعاد بعض ثقاته – النائب عالية نصيف كمثال – و الذين من المحتمل عودة بعضٍ منهم بدون ضجَّة إعلامية، تمرير كُل القوانين الجدلية. شاهدنا تمرير بعضٍ منها بفضل المطرقة الشيعية التي يحملها محمود المشهداني.
قانون الحشد الشعبي الذي تعهَّد نوَّاب بنزع بدلاتهم المدنية و لبس المُرقَّطة من أجل تمريره، اختفى من الأدراج البرلمانية.
التمرير سوف يكون بعد الانتخابات القادمة، اعتماداً على نوَّاب مُدجنين بالمال السياسي وباستعراض عضلات الاستبعاد الجاري.
رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي، بيَّن في آخر لقاءٍ تلفازي له، بأنَّه أعطى “قُبلة الحياة” لهذا النظام و لن يقوم بذلك مرَّة أخرى؛ أي أن القادم نفذت فيه فُرص اتباع سياسة حُسن السيرة الدولية والسلوك الإيراني. وعليه قرر النظام صناعة قُبلة حياته الخاصة.
أهمية تشريع قانون الحشد الشعبي و عدم دمجه بالمؤسسات الأمنية والعسكرية، يمكن تلخيصُها بأنها ستضمن توزيع قواته على الأحزاب الشيعية بعدالة، مثلما هو حاصل في تعيين القضاة، مفوضية الانتخابات، و بقية مؤسسات الدولة و الهيئات المستقلة. أمّا دمجه فهو سيعطي وزناً كبيراً لأي رئيس حكومة قادم و ليس الحالي فقط.
نظام قُوَيْد يستغل أيضاً احتمال معاودة الكيان الإسرائيلي للحرب ضد نظام الملالي في طهران. العقدة الوحيدة الحقيقية أمام تمرير قانون الحشد هي قناعة الولايات المتحدة، بأنَّ انتخابات نوفمبر القادمة ستنتج برلماناً “نصف مقاعده ستذهب إلى أمراء السلاح”.
بحسب تصريحٍ لنائب من الحزب الديمقراطي الكردستاني في السابع و العشرين من أوغست.
الحكومة العراقية الحالية وجدت حلاً مع الولايات المتحدة ربّما نسي النائب الكردستاني ذكره. أجَّرت خدمات لوبي “فالكور”، وهو ثالث لوبي تستعين به الحكومة الحالية.
الإبداع هنا أن هذه اللوبيات يُديرها مُقرَّبون من إدارة الرئيس دونالد ترامب، وأغلبهم كانوا يعملون معه في ولايته الرئاسية الأولى. تلك الجهات كانت صاحبة الفضل في تأجيل قرار انسحاب القوات الأمريكية من العراق، منذ يناير 2024.
ملايين الدولارات التي تصرف على هذه اللوبيات، تسعى افتراضياً لتحقيق مصالح البلاد العُليا. العيب الوحيد أنها كشفت إنَّ السفارة العراقية في واشنطن قليلة الذكاء سوشيالياً، ولا تعرف كيفية التعاطي مع الجهات المؤثِّرة في المجتمع السياسي الأمريكي. لهذا تضطر الحكومة إلى إنفاق مئات آلاف الدولارات على السفير وطاقمه سنوياً.
صورة العراق الدولية ليس كما يدَّعي نظام قُوَيْد. البلاد بفضل هذا النظام تنتمي إلى لائحة من سبعة عشر بلداً، تعتبر الأقل تطوراً و تنمية في العالم بحسب تقرير Global Witness في يوليو الماضي.
عموماً، النظام العراقي زبون ناشط في عالم اللوبيات الأمريكية. لقد استطاع بفضل التعاون معها، تجسيد وحدة وطنية نادرة بين السنة والشيعة والكرد.
النائب المستبعد سجاد سالم و لسوء حظه نزيه في مواقفه السياسية، ولا يقوم باستدعاء آلاف من العمالة الرخيصة من بنغلاديش بحجة أنهم شعراء. الأهم بأنَّه لا ينتمي إلى “أمة الجبناء” المسلَّحين على حدِّ تعبير نوري المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون.
الأمور في العراق “مستقرة أمنياً و سياسياً” بحسب حديث مستشارٍ لرئيس الحكومة في الخامس و العشرين من أوغست. إذاً، سنبقى نسمع “أخبار سارة” عن هذا النظام، على حدِّ تعبير الملا بختيار، عندما علَّق على إمكانية اتفاق الحزبين الكبيرين في كردستان العراق على تشكيل حكومة.