آراءمجتمع
أخر الأخبار

ظاهرة طوطو.. مابين التأييد والشجب

ما يبدو تفاهة في أعين البعض، قد يكون في نظر الجيل الجديد صوتًا صادقًا لحيرته، أو مرآةً لزمنه. لذا، من الضروري أن نتفهم هذه التعبيرات لا أن نحاكمها من خارج سياقها..

عبد الله فضول 

في فصل الصيف، تتبدّل اختيارات الشباب وتتحوّل رغباتهم نحو كل ما يحمل طابع الحرية والانطلاق. فهم يبحثون عن المتعة، والتجارب الجديدة، وكسر الروتين الذي تفرضه عليهم الفصول الدراسية أو التزامات العمل.

يظهر ذلك بوضوح في إقبالهم الكبير على الأنشطة الترفيهية والموسيقية، مثل الحفلات والعروض الحية، كما حدث مؤخرًا مع الحضور اللافت لجمهور ضخم جاء لمتابعة مغنّي الراب طوطو. هذا المشهد لا يكشف فقط عن شغفهم بالموسيقى، بل يعكس أيضًا حاجتهم للتعبير، والانتماء، واستكشاف الهويّة في أجواءٍ تُشبههم وتفهمهم.

إنّ حضور هذا العدد الكبير من الشباب لحفل مغني الراب طوطو لا يمكن اختزاله في تفسيرٍ واحد، بل هو انعكاس لعدة دوافع وهويات متداخلة.

فقد يكون الأمر تعبيرًا عن انتمائهم لثقافة معيّنة تؤمن بحرية التعبير وكسر القيود، أو ربما انجذابًا لأسلوب طوطو الفني الذي يخاطب وجدانهم بلغة يفهمونها ويعيشونها. وقد يكون الحضور أيضًا نتيجة للرغبة في الاندماج داخل جماعة تُشبههم، أو مجرد بحث عن لحظة ترفيه وهروب من الضغوط اليومية.

هذا التنوّع في الدوافع يجعل من الصعب وضع تفسيرٍ واحد، لكنه يكشف عن عمق العلاقة بين الموسيقى والشباب؛ حيث تصبح المنصة الفنية مسرحًا للتعبير، والانتماء، والبحث عن الذات.

نعم، من حق من تجاوزوا مرحلة الشباب أن يُبدوا رأيهم، بل وأحيانًا تكون رؤيتهم ضرورية لقراءة الظواهر الشبابية من زوايا أوسع وأكثر عمقًا. غير أن المسألة ليست في “الانتقاد” بحدّ ذاته، بل في طبيعة هذا الانتقاد: هل هو نابع من محاولة للفهم، أم من موقف حكمٍ جاهزٍ على كل جديد؟..

من هذا المنطلق، يمكن أن نرى مثل هذا الحضور الكثيف لحفل طوطو كتعبير عن أزمة ذات طبيعة وجودية يعيشها جيل يبحث عن معنى في عالمٍ مزدحم بالضغوط والتناقضات، وذات طبيعة اجتماعية أيضًا، حيث يشعر بض الشباب بالتهميش وعدم الانتماء للمؤسسات التقليدية، فيلجأ إلى مساحات غير تقليدية للتعبير والانتماء، كالموسيقى البديلة وثقافة الشارع.

طبعا ما بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، تصبح الساحة الفنية ساحة جدل. فالفن قد يكشف ما لا يُقال في الإعلام أو السياسة، لكنه في الوقت ذاته يُسائل: إلى أي حدّ يمكن للفنان أن يكون صادقًا دون أن يُشجّع على الانحراف؟ أغلب الانتقادات الموجّهة لـطوطو لا تقتصر على فنه أو موسيقاه، بل تتعلّق بسلوكيات ومضامين يعتبرها البعض خارجة عن القيم السائدة.

فذكر الحشيش والخمر والكلام “الساقط” في أغانيه لا يمرّ مرور الكرام، خصوصًا في مجتمعات ما زالت تُقدّر الضوابط الأخلاقية والدينية بدرجة عالية.

لكن يبقى السؤال مطروحًا: هل هذه المضامين انعكاس لحقيقة موجودة، أم هي مجرد وسيلة لجذب الانتباه وكسر الطابوهات؟ فالبعض يرى في أغاني الراب توثيقًا للواقع كما هو، بينما يعتبرها آخرون دعوة لتطبيعه.

لكل جيلٍ فنه، ومذاقه الخاص، وموسيقاه التي تعبّر عنه.

ما يبدو تفاهة في أعين البعض، قد يكون في نظر الجيل الجديد صوتًا صادقًا لحيرته، أو مرآةً لزمنه. لذا، من الضروري أن نتفهم هذه التعبيرات لا أن نحاكمها من خارج سياقها.

بل أحيانًا، من المهم أن “تتلبسنا” هذه التفاهة – ولو قليلًا – حتى نُدرك ما وراءها من قلق، أو تمرد، أو بحث عن ذات. فالفن ليس بالضرورة أن يكون راقيًا دائمًا، ولكنه غالبًا صادق.

من المسؤولية ألا نترك الشباب يتخبطون في اختياراتهم الفنية دون توجيهٍ يفتح لهم أفق الفهم بدل الإدانة.

فمسؤولية المدرسة أن تُنمّي الذائقة وتُحفّز النقد الواعي، والأسرة أن تمنح الثقة وتغرس القيم دون وصاية خانقة، والمجتمع أن يهيّئ فضاءات آمنة للتعبير، بينما الصحافة مطالَبة بإنتاج خطاب مسؤول يفسّر الظواهر لا يشوّهها. فالتفاهم بين الأجيال لا يُبنى على الرفض، بل على الإصغاء والتفسير المشترك لما يعيشه الشباب.

* كاتب وقاص للقصة القصيرة جدا

https://anbaaexpress.ma/q5cdp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى