تستعد واشنطن لإطلاق خطة استثمارية غير مسبوقة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، تبلغ قيمتها نحو خمسة مليارات دولار، وتستهدف تمويل مشاريع تنموية ذات طابع اجتماعي واقتصادي، في خطوة تُترجم تحولًا نوعيًا في التعاطي الأميركي مع ملف الصحراء المغربية.
وبحسب ما كشفه موقع Africa Intelligence المتخصص في الشؤون الاستراتيجية والاقتصادية الإفريقية، فإن مؤسسة التمويل التنموي الأميركية (DFC) حصلت على الموافقة الرسمية من وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) لبدء تنزيل هذه المبادرة الاستثمارية، في إشارة واضحة إلى الطابع السيادي والداعم لهذا التحرك الأميركي تجاه الرباط.
وبينما يأتي هذا القرار في سياق الالتزامات السابقة التي تضمنها “الاتفاق الثلاثي” الموقع بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل نهاية عام 2020، فإنه يحمل في طياته دلالات أوسع من مجرد التزامات مالية، إذ يؤكد على تثبيت الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، ويجسد انتقال واشنطن من دعم سياسي إلى دعم عملي واستثماري، يستند إلى مقاربة تنموية لتعزيز الاستقرار في المنطقة.
ووفقًا للمصادر ذاتها، فقد عقدت المؤسسة الأميركية سلسلة لقاءات تنسيقية مع عدد من البنوك والمصارف المغربية لتحديد قائمة أولية بالمشاريع ذات الأولوية، بهدف تعبئة الغلاف المالي الضخم وتوجيهه نحو قطاعات واعدة تشمل البنية التحتية، والطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا، مع التركيز على جعل مدينتي الداخلة والعيون مركزين اقتصاديين إقليميين متصلين استراتيجيًا بالساحل وغرب إفريقيا.
ويعد هذا التوجه بمثابة ترسيخ عملي للبعد الاقتصادي في السياسة الأميركية تجاه الصحراء، حيث تتعامل واشنطن بشكل متزايد مع الأقاليم الجنوبية كمجال جيو-اقتصادي مستقر وواعد، وليس فقط كقضية نزاع سياسي. ويعكس ذلك إدراكًا متناميًا بأن التنمية المستدامة والاندماج الإقليمي في المنطقة لا يمكن فصلهما عن دعم سيادة المغرب، ومصالحه الأمنية والاستراتيجية في محيطه الإفريقي.
وتأتي هذه المبادرة في توقيت إقليمي دقيق، حيث تتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الساحل والصحراء، وسط منافسة دولية متزايدة على النفوذ الاقتصادي في إفريقيا.
ويرى مراقبون أن التحرك الأميركي يشكل ردّا استراتيجيا على محاولات أطراف إقليمية ودولية اختراق المنطقة عبر مشاريع غير مستقرة أو ذات خلفيات سياسية مضادة لمصالح الرباط وواشنطن على حد سواء.
بهذا المعطى الجديد، تبدو الشراكة المغربية الأميركية في طريقها إلى إعادة تشكيل موازين التنمية في جنوب المملكة، عبر نقل الثقل الاستثماري من مراكز القرار إلى مواقع التأثير المباشر على الأرض، بما يحول ملف الصحراء من موضوع دبلوماسي إلى نموذج عملي للاستقرار والتنمية، ضمن رؤية تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاستثمارية لكلا الطرفين.
تعليق واحد