تؤكد التطورات الأخيرة في العلاقات بين الجزائر وفرنسا وإسبانيا على وجود تحول واضح، وإن لم يُعلن عنه في السياسة الخارجية الجزائرية.
فبينما كانت قضية الصحراء الغربية تمثل حتى وقت قريب خطاً أحمر غير قابل للتفاوض، يبدو أن وزنها في تحديد طبيعة العلاقات الثنائية بات اليوم مرهوناً بموازين القوى.
وفي المقابل، تواصل الجزائر اعتماد خطاب متشدد وعدائي تجاه المغرب، ما يعكس دبلوماسية مجزأة، يتوقف فيها البراغماتية عند حدود الصراع الإقليمي.
1. استدعاء السفير من باريس: موقف صارم بلا متابعة حقيقية
خلافاً للقراءة السطحية لحالة التهدئة الأخيرة، كانت الجزائر قد ردّت بقوة على الموقف الفرنسي من قضية الصحراء:
• ففي عام 2021، وبعد تصريحات وُصفت بالمهينة من طرف الرئيس إيمانويل ماكرون وتزايد تقارب باريس مع الرباط، قامت الجزائر باستدعاء سفيرها من باريس؛
• كما أطلقت تهديدات بإجراءات انتقامية اقتصادية (تخفيض مستوى التعاون، تجميد الاستثمارات)، لكنها لم تُنفذ فعلياً.
وتُظهر الازدواجية في المعاملة بين فرنسا وإسبانيا، حيث قامت الجزائر مع مدريد بتجميد التبادل التجاري، تعليق اتفاقية ثنائية، والإبقاء على سفيرها بعيداً لأكثر من عام وجود تدرّج ضمني في أهمية الشركاء، يعتمد على الكلفة السياسية والاقتصادية لأي مواجهة طويلة الأمد.
2. صدمة الإجراءات الفرنسية: التأشيرات، النخبة، وهشاشة النظام
فرنسا، بعيداً عن الردود الرمزية، مارست ضغطاً نوعياً وفعّالاً على دوائر الحكم الجزائرية:
• فقد قامت بتعليق آلاف التأشيرات بشكل أحادي، خاصةً تلك الممنوحة لأفراد من الدولة الجزائرية، من قضاة، وضباط سامين، وأقارب مسؤولين؛
• وقد تسببت هذه الإجراءات في هزة داخلية، وُضِع على إثرها الرئيس تبون في موقع حرج، إذ اتُّهِم بعدم قدرته على حماية امتيازات النخبة المرتبطة بالنظام، والتي تملك عقارات وحسابات بنكية في فرنسا، وتعيش عائلاتها هناك حياة مترفة ممولة من المال العام الجزائري.
أمام هذا الضغط، اضطرت الجزائر إلى العودة للحوار مع فرنسا من دون أن تنجح في انتزاع أي تراجع فرنسي، وهو ما يُترجم بتراجع استراتيجي غير مُعلن.
ومن ضمن هذه التنازلات الجوهرية، هراء الموقف الجزائري اتجاه قضية اعتقال الكاتب الفرنسي ذو الأصول الجزائرية بوعلام صنصال الذي تعرض للاعتقال والتعذيب نظرا لمواقفه اتجاه سلب المغرب سيادته من طرف المحتل الفرنسي لأقاليمه الشرقية بما فيها وهران، تلمسان، كولومب بشار، تندوف وإقليم توات.
فبعد شتمه من طرف تبون والحكم عليه بخمس سنوات سجنا نافدة، ها تبون يعلن في البيان المشترك عن نيته إطلاق سراحه وهو ما يفسر بتكسير عظم النظام الجزائري من طرف فرنسا التي رهنت تطبيع العلاقات مع الجزائر بإطلاق سراح صنصال بالاضافة إلى تنازلات أخرى من نظام العسكر.
3. عزلة إقليمية ودولية متفاقمة
بعيداً عن المحور الفرنسي–الإسباني، تتحرك الدبلوماسية الجزائرية في سياق من تراجع التأثير الدولي والإقليمي:
• إقليمياً، تم تهميش الجزائر في الملفات الكبرى في منطقة الساحل، مقابل صعود أدوار المغرب ونيجيريا وتركيا.
كما أن القطيعة مع المغرب حَرمتها من المشاركة في مسارات اندماج إقليمي كاتحاد المغرب العربي أو تجمع الساحل والصحراء؛
• دولياً، وعلى الرغم من محاولات إعادة التموضع ضمن تكتلات مثل “البريكس” أو “مجموعة الـ 77”، فشلت الجزائر في حشد دعم واسع لموقفها من الصحراء، في الوقت الذي يكتسب فيه مقترح الحكم الذاتي المغربي زخماً متزايداً، حتى لدى دول إفريقية كانت تُعد من حلفاء الجزائر التقليديين.
هذه العزلة النسبية تؤكد أن نهج التصعيد في الدبلوماسية الجزائرية لم يعد يمتلك نفس الجدوى السابقة.
4. براغماتية انتقائية: نحو فصل جزئي لقضية الصحراء عن العلاقات الثنائية
تشير إعادة تطبيع العلاقات مع مدريد وباريس إلى تحول براغماتي ملحوظ:
• مع إسبانيا، وبعد قطيعة حادة عام 2022، بدأت الجزائر حواراً خجولاً بشأن ملف الهجرة، في دلالة على بداية تطبيع، رغم تمسك مدريد بموقفها من الصحراء؛
• أما مع فرنسا، وعلى الرغم من دعمها الصريح والواضح لمقترح الحكم الذاتي المغربي، وافقت الجزائر على استئناف فوري للتعاون الأمني (حسب بيان رئاسي جزائري)، في حين تحدث البيان الفرنسي فقط عن استئناف “تدريجي” للتعاون، من دون أي تغيير في الموقف المبدئي.
كل ذلك يشير إلى ظهور نمط جديد في الدبلوماسية الجزائرية يمكن تسميته بـ”الفصل المشروط”: قضية الصحراء تبقى أولوية رسمية، لكنها لم تعد تمنع تلقائياً إقامة علاقات ثنائية، خاصة عندما تكون مصالح استراتيجية في الميزان (أمن، هجرة، اقتصاد).
5. الاستثناء المغربي: عداء دائم، مبالغ فيه، وغير مبرر سياسياً
ورغم هذه التحولات البراغماتية مع الشركاء الأوروبيين، يظل المغرب في موقع العدو الدائم في الذهنية الدبلوماسية الجزائرية:
• لم يتم إعادة أي قناة تواصل منذ قطع العلاقات في 2021؛
• الخطاب الرسمي لا يزال مشحوناً باتهامات مستمرة (تدخل، تطبيع، تهديد للساحل…)؛
• ولا توجد أي إشارات لتهدئة، حتى الرمزية منها، بخلاف ما تم مع فرنسا وإسبانيا.
هذا التمييز السلبي الفريد تجاه المغرب يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما يزال الخلاف جزائري–مغربي قائماً على أساس جيوسياسي عقلاني؟ أم أصبح نزاعاً إيديولوجياً أو شخصياً؟
6. قراءات متعددة للصراع: انسداد استراتيجي أم أداة داخلية؟
تُطرح فرضيتان لتفسير استمرار هذا العداء الاستثنائي تجاه المغرب:
• الفرضية الداخلية: الصراع مع المغرب يخدم النظام كأداة لتوحيد الجبهة الداخلية، وصرف الأنظار عن أزمة الشرعية والاحتقان الاجتماعي بعد الحراك، من خلال تغذية رواية “العدو الخارجي”؛
• الفرضية الجيوسياسية: ترى الجزائر أن صعود المغرب دبلوماسياً، واعتراف العواصم الكبرى بمبادرته للحكم الذاتي، وعلاقاته الجديدة مع إسرائيل ودول إفريقية، يشكل تهديداً مباشراً لدورها التقليدي كقوة إقليمية.
في الحالتين، يبدو أن العداء للمغرب بات عنصراً بنيوياً في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية، يصعب تعديله، حتى مع تغير التوازنات الخارجية.
خاتمة: دبلوماسية بين التكيّف المرحلي والجمود العقائدي
تدخل الجزائر اليوم مرحلة من الواقعية الانتقائية، حيث تتخلى عن تشددها التقليدي في ملفات معينة، خاصة مع أوروبا لكنها تتمسك بنهج صدامي متصلّب تجاه المغرب.
• مع فرنسا، تراجعت تحت وطأة ضغوط دقيقة استهدفت النخبة؛
• مع إسبانيا، بدأت تعيد قنوات التعاون تدريجياً؛
• ومع العزلة المتزايدة إقليمياً، تسعى لإعادة التموضع.
لكن حيال المغرب، لا تغيير. لا قنوات، لا إشارات، لا مراجعات. تظل الخصومة مطلقة، مؤطرة في منطق مواجهة شاملة.
هذا الخطاب المزدوج يضر بوضوح السياسة الخارجية الجزائرية، ويضعف من اتساقها الاستراتيجي، في الوقت الذي يواصل فيه المغرب تعزيز موقعه الدبلوماسي بهدوء وفعالية.