مجيدة محمدي
مقدمة
القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع سياسي أو خلاف حدودي، بل هي واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في العصر الحديث، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية، التاريخية، القانونية، والإنسانية. منذ نكبة 1948 وحتى يومنا هذا، تستمر فلسطين في النزف تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، في ظل تواطؤ دولي وصمت عربي مطبق.
وبينما تتغذى آلة القمع الإسرائيلية على الدعم الغربي اللامحدود، تقف المؤسسات الحقوقية الأممية موقفًا عاجزًا، مما يطرح تساؤلات مصيرية حول مستقبل هذه القضية.
فهل ستبقى فلسطين جرحًا مفتوحًا في ضمير العالم، أم أن موازين القوى ستتغير لصالح عدالة تاريخية طال انتظارها؟
أولًا: التخاذل العربي… هل هو ضعف أم تواطؤ؟
في المراحل الأولى من الاحتلال، كانت الأنظمة العربية تدّعي أنها في طليعة الدفاع عن فلسطين، إلا أن الأداء الفعلي لهذه الأنظمة لم يكن سوى سلسلة من الهزائم والخذلان.
من الحروب إلى الاتفاقيات: كيف تحول الدعم إلى تخاذل؟
في حرب 1948، تدخلت الجيوش العربية لكنها كانت غير منظمة ومفتقرة إلى الدعم اللوجستي الكافي، ما أدى إلى نكبة الفلسطينيين وتهجير مئات الآلاف منهم.
في 1967، تلقت الجيوش العربية هزيمة نكراء في نكسة حزيران، حيث توسعت إسرائيل واحتلت الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء.
في السبعينيات والثمانينيات، بدأت الأنظمة العربية تتجه إلى التسويات الدبلوماسية بدلاً من المقاومة، بدءًا من اتفاقية كامب ديفيد (1978) بين مصر وإسرائيل، مرورًا باتفاقية أوسلو (1993)، ثم وادي عربة (1994) بين الأردن وإسرائيل.
هذه الاتفاقيات لم تؤدِّ إلا إلى المزيد من التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، فيما تراجع الدعم العربي إلى مجرد بيانات شجب وإدانة في المحافل الدولية.
التطبيع والخذلان المستمر
في العقد الأخير، تسارعت خطوات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية، حيث أُبرمت اتفاقيات اقتصادية وعسكرية جعلت من إسرائيل شريكًا علنيًا في المنطقة، في تجاهل تام للحق الفلسطيني.
هذا التحول يكشف أن بعض الأنظمة لم تكن فقط عاجزة عن دعم فلسطين، بل أصبحت حليفًا ضمنيًا للاحتلال، إما بحكم المصالح الاقتصادية أو بفعل الضغوط الغربية.
غياب الإرادة السياسية والشعوب المقيدة
لا تزال الشعوب العربية متمسكة بالقضية الفلسطينية رغم التضييق الإعلامي والسياسي، لكن الأنظمة القمعية تمنع أي تحرك شعبي حقيقي لدعم المقاومة الفلسطينية. حتى الاحتجاجات والاعتصامات السلمية تواجه بالقمع والتنكيل، ما يؤكد أن ضعف الدور العربي ليس نابعًا من قلة الموارد، بل من غياب الإرادة السياسية والتواطؤ الضمني مع الاستعمار الجديد.
ثانيًا: التعسف الغربي ودور القوى الكبرى في دعم الاحتلال
الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل
الولايات المتحدة هي الراعي الأول للاحتلال الإسرائيلي، حيث تقدم له مساعدات عسكرية سنوية تقدر بمليارات الدولارات، فضلًا عن الدعم الدبلوماسي في مجلس الأمن لمنع أي قرارات تدين الاحتلال. الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، حافظت على هذا الدعم، إذ يُنظر إلى إسرائيل على أنها حليف استراتيجي في الشرق الأوسط، يضمن السيطرة على المنطقة ومواردها.
ازدواجية المعايير في القوانين الدولية
بينما تدّعي الدول الغربية دعم حقوق الإنسان والديمقراطية، تغض الطرف عن الجرائم الإسرائيلية. فعلى سبيل المثال:
في حين فرضت عقوبات قاسية على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا، لم تُفرض أي عقوبات على إسرائيل رغم احتلالها المستمر للأراضي الفلسطينية.
يُصنّف الفلسطيني المقاوم على أنه “إرهابي”، بينما يُصوَّر الجندي الإسرائيلي الذي يقتل الأطفال على أنه “يدافع عن نفسه”.
هذا النفاق السياسي يكرّس الاحتلال ككيان فوق القانون، غير خاضع لأي محاسبة دولية.
ثالثًا: ضعف المؤسسات الحقوقية الأممية: هل الأمم المتحدة مجرد واجهة شكلية؟
قرارات بلا تنفيذ
منذ عام 1948، صدرت عشرات القرارات عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن بخصوص فلسطين، مثل القرار 242 الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، والقرار 194 الذي ينص على حق العودة للاجئين الفلسطينيين. ومع ذلك، لم يتم تنفيذ أي منها بسبب الفيتو الأمريكي الدائم لصالح إسرائيل.
منظمات حقوق الإنسان… بيانات بلا تأثير
المنظمات الحقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” تصدر تقارير تدين الجرائم الإسرائيلية، لكنها تظل بلا أي تأثير عملي بسبب سيطرة القوى الكبرى على المنظمات الدولية. وحتى المحكمة الجنائية الدولية التي تُعنى بجرائم الحرب، تواجه ضغوطًا هائلة لمنعها من محاسبة قادة الاحتلال.
تقاعس المجتمع الدولي… لماذا؟
السبب الرئيسي في ضعف هذه المؤسسات هو أن النظام الدولي ذاته قائم على المصالح وليس على العدالة. فمن يحكم العالم اليوم هي القوى العظمى التي ترى في إسرائيل مشروعًا استراتيجيًا يخدم نفوذها، وليس كيانًا استيطانيًا يجب محاسبته.
إلى أين؟
المقاومة… الخيار الوحيد المتبقي
في ظل هذا التخاذل العربي والانحياز الغربي، لم يبقَ أمام الفلسطينيين سوى خيار المقاومة، سواء كانت سياسية أو عسكرية. وقد أثبتت انتفاضات الشعب الفلسطيني والحرب اللااخلاقيةعلى غزة أن الاحتلال ليس كيانًا لا يُقهر، بل يمكن هزيمته بالإرادة والصمود.
دور الشعوب العربية والإسلامية
بينما تخاذلت الحكومات، لا تزال الشعوب تمتلك القدرة على التأثير عبر الضغوط الاقتصادية، مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال، ودعم المؤسسات الحقوقية التي تفضح الانتهاكات الإسرائيلية.
هل تتغير موازين القوى؟
العالم يشهد تغيرات جيوسياسية كبيرة، ومع تصاعد نفوذ قوى مثل الصين وروسيا، قد تصبح هناك فرصة لإعادة التوازن في النظام الدولي، مما قد يفتح المجال لمحاسبة إسرائيل مستقبلًا. لكن هذا يعتمد على مدى قدرة الفلسطينيين والعرب على استغلال هذه التحولات لصالح قضيتهم.
خاتمة
القضية الفلسطينية ليست مجرد مسألة سياسية، بل هي امتحان للضمير الإنساني. إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي ليس نتيجة قوته الذاتية، بل بسبب التخاذل العربي والدعم الغربي وضعف المؤسسات الحقوقية الأممية. ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا، فالشعوب لا تموت، والاحتلال مهما طال، إلى زوال.
المراجع
– قرارات مجلس الأمن المتعلقة بفلسطين – الأمم المتحدة.
– تقارير هيومن رايتس ووتش حول انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين.
– كتاب “فلسطين: التاريخ المصور” – د. طارق السويدان.
– تقرير منظمة العفو الدولية حول الأبارتهايد الإسرائيلي (2022).
* شاعرة وكاتبة تونسية
بكل مشاعر الامتنان ووهج الفخر، أتقدم بجزيل الشكر والتقدير لمنبركم الموقر على إتاحة هذه المساحة الرحبة لعملي ، وعلى تسليط الضوء عليه بين صفحاته المضيئة بالفكر والإبداع. إن احتضانكم للكلمة والفن يعكس رسالتكم السامية في دعم المبدعين، ويمد الجسور بين القارئ والحرف النابض بالحياة. شكرًا لأنكم كنتم نافذتي إلى العقول والقلوب، وشكرًا لكل من ساهم في إبراز هذا العمل بحلته البهية. دمتم منبرًا للإلهام، ومنارةً لكل من يحمل في قلبه شغف الإبداع.