ثقافة
أخر الأخبار

حنين طفولي

عبد الله فضول 

أذكر وأنا صغير، ان جدي كان يأخذني معه إلى حمام الحي. كان دائمًا يعج بالناس، والماء الساخن الذي  يتدفق من كل جانب.

كان الناس يتجمعون حول (البرمة) المكان أو صحن كبير يجمع فيه الماء للتمتع بالسخونة والحرارة، مما يسهل فرك الجسم وتنظيفها.

جدي كغيره  يفكر تراتبيا. يضعني اولا بالقرب من البرمة، أو بيت البرمة. كنت أتضايق من الحرارة الشديدة التي تنبعث من الماء الساخن، وأكاد أختنق من كثافة البخار الذي يملأ المكان.

كان يفركني فركًا شديدًا وأنا أصرخ بشدة من الألم والحرارة. كنت أنظر إلى الوجوه حولي، طالبًا النجدة، دون أن ينقذني كأن تلك الوجوه تتابع تفاصيل حياتها اليومية دون أن تُعير اهتمامًا لصراخي ومعاناتي.

بعد مرحلة الفرك والبرمة، ينقلني جدي إلى البيت الآخر، وهو أقل حرارة وأقل ضغطًا. هنا كنت أشعر براحة نسبية بالمقارنة مع بيت البرمة. الماء الذي يُصب في هذا المكان كان أقل سخونة، مما يجعل التجربة أكثر تحملًا وأقل إجهادًا.

كنت أستطيع أن ألتقط أنفاسي وأشعر بالهدوء في هذا الجزء من الحمام، وكأنني أستعيد طاقتي بعد الجلسة الشاقة في البرمة.

وهذه المرحلة كانت مرحلة الصابون .لكن مايزعح في هذا البيت هو الشامبوان الذي يجد طريقه الى العين ثم  صراخ جدي وهو يامرني ان اغلق عيني .

وفي الأخير، ينقلني إلى البيت الأول القريب من باب الخروج من مكان الاستحمام. كان هذا هو المكان المفضل لدي ولدى من هم في سني، حيث كانت الحرارة متوسطة ومعقولة. هناك تبدأ مرحلة النهاية أو، يطلق عليه بـ(التشلال) وبالفعل كأن شلالا من الماء يصب عليك لتضمن تطهيرا من الوسخ كأنه تطهير عرقي.

 تعود إلي روحي وأبعث من جديد وأعانق الحرية من جديد. تلك اللحظات كانت مليئة بالهدوء والراحة، وكأنني أخرج من تجربة تطهيرية تعيد لي حيويتي ونشاطي، استعدادًا للعودة إلى الحياة المدرسية.

كانت هذه اللحظات تحمل في طياتها ذكريات دافئة وتجسد الروابط العائلية والتقاليد الشعبية التي نستمد منها قوتنا وجذورنا.

ولكن، رغم كل ذلك، كانت تلك اللحظات تحمل في طياتها ذكريات لا تُنسى، حيث تعلمنا قيمة التقاليد  المغربية والعادات القديمة  الجميلة التي تمتد جذورها عبر الأجيال.

كما تعلمنا  قيم الصبر والتحمل والمكابدة والقوة التي يفتقدها الجيل الجديد من فلذات أكبادنا.

* كاتب مغربي 

https://anbaaexpress.ma/5ytj2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى