آراءأفريقياسياسة

لعنة الصحراء تلاحق الجزائر.. لماذا فشل العسكر في ترسيخ نزاع مفتعل بأي ثمن؟

والأكيد أن بيان وزارة الخارجية الفرنسية الجديد حول الاعتراف الصريح بسيادة المغرب على صحرائه، هو في الحقيقة صك إدانة لسياسة حكام المرادية..

كلما تقدم المغرب في الدفاع عن حقوقه التاريخية والقانونية المرتبطة بالسيادة على أقاليمه الجنوبية، يكثر الحديث في الجوار عن قانون دولي ملزم في علاقة بقضايا تصفية الاستعمار وتقرير المصير والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي لم يثبت أن بسط خصومه صدقية زعمهم، لا على مستوى إثبات أن الأمر يرتبط بإنهاء استعمار ولا هم توصلوا لتوليفة دبلوماسية وسياسية لاختراق جدار قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن لإجبارهما على وصف إدارة المملكة المغربية للإقليم بالاحتلال الذي يجب إزالته.

ولن نورد عديد المبررات التي تشفع للجزائر بأن تحافظ على علاقات سياسية طبيعية مع جارها الشمالي، لتراكم مواقف هذا الأخير المشرفة في دعم الثورة الموؤدة، بفعل عوامل داخلية قاهرة، لأن من شأن تعدادها أن يصنف في خانة المن السياسي الذي ينأى المغرب الحديث بنفسه عن الخوض فيها، اعتبارا لكون تذكر الماضي غير العادل، لا يقاسي أثر مكره غير الذي أعطى من مقدراته ورجاله وهمة شعبه الكثير، غير أن إعادة صفحاته أمر حتمي، رغم نكران الكثيرين، أخذا بالمثل القائل ” الماضي الذي يتوارى بمكر أحيانا كاللص ولكنه لا يموت، ثم يبعث بغير دعوة ولا رغبة”.

وللحظة، يخامرني شك عميق في كيفية تعاطي الحكومات الجزائرية المتعاقبة مع مأساة احتجاز الالاف من الصحراويين في صحراء قاحلة، أهي إفرازات للعداء المستحكم لجارها المغربي، الذي لا زال يراهن على سلمية مطالبه وشرعية وجوده وتأييد ساكنة الصحراء وممثليها، أم تراكم أخطاء جسيمة لساسة الجزائر وعسكرية لكيفية بناء الدول والرهان على التنمية ورفاه الشعوب.

تسارعت الشدائد باتجاه بلد المليون شهيد، وهو عقابي إلهي، ينذر بوقوع الأسوأ إن لم يتدارك الشعب الجزائري الشقيق الموقف، وقد لا نملك لهم من قوة ولا بأس سوى قراءة اللطيف في المساجد والساحات العامة لطرد الأرواح الشريرة والأفكار الاستعمارية المستوطنة في عقلية عسكر المرادية.

إن تلقي سيل هادر من الدعم الدولي لمطالب المغرب ومقترحه القاضي بمنح حكم ذاتي لساكنة الأقاليم الصحراوية لتدبير شؤونهم بأنفسهم، لا يمكن تفسيره بأي حال من الأحوال بقوة وحنكة الديبلوماسية المغربية لوحدها على فعاليتها ونجاعتها، ولكن يمكن مرد ذلك أيضا الى حقائق الجغرافيا والتاريخ والمشترك الثقافي والتراثي والديني والعلاقات المتداخلة بين الحكم المركزي وسكان الصحراء في جميع المحطات المحددة لمصير منطقة شمال إفريقيا عموما، وليست قصة حبكت فصولها منذ 1973، بأطراف قرية ازويرات.

والمتتبع للأحداث المتواترة التي تخص نزاع الصحراء، قد ينقصه الحدس الفطري لفهم عمق القضية، حين يعتبر أن قرار الولايات المتحدة، لا يعدو تدوينة على مواقع التراسل الفوري، وهناك من صنفها نزوة في بحر متلاطم من الإشكالات الدولية العصية على الحل، غير أننا أكدنا منذ اول وهلة أن هذا الموقف الأمريكي سيكون له ما بعده، وسيعبد الطريق لآخرين لتأكيد رغبتهم في تمتين العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المغربية، ليس طمعا في عائدات الصحراء أو مقابل إكراميات، ولكن لإيمانهم العميق بعدالة الموقف ومقبولية الاقتراح المغربي للتطبيق في إطار الشرعية الدولية.

أليس حريا أن تنتفض الدبلوماسية وتكشر عن انيابها بنفس القدر في مواجهة أمريكا وفرنسا، مثل ما أبانت عنه من حزم سرعان ما تبددت مرتكزاته أمام إسبانيا؟ والمضحك في الامر، أن الحكومة الجزائرية تتأسف لقرارات أوروبية داعمة لسيادة المغرب على أراضيه الصحراوية، بينما تلوح بالعقوبات والرشاوي المرتبطة بمحو ديون الديون الافريقية الفقيرة، إذا رجعت عن موقفها بشأن القضية.

إن أكثر ما يخشاه المرء، ليس تواتر الاعترافات الدولية بشرعية السيادة المغربية على أقاليم الصحراء، فهذه خطوات لا تعدو أن تكون تتويجا لخيار راسخ لسكان المنطقة المعنيين بدرجة أولى بالمشكل، ومن شأن تلك المواقف ان تساعد على فتح منطقتنا على الاستثمار والتعاون الدولي، في مواجهة دعوات البوليساريو وحليفها بإيقاف عجلة الحياة بالصحراء الى حين حل النزاع، الذي لم يشاؤوا يوما التقدم خطوة إلى الامام من أجل إنهائه.

فالخوف كله، يكمن في انفجار الوضع الداخلي الجزائري المتوتر أصلا بفعل فساد الساسة والعسكريين وسطوتهم على الشعب ومقدراته بالرغم مما يحوزه من ثروات. لان هذا التسارع في حصد ألقاب الاعترافات الصريحة بأحقية المغرب في صحرائه، سيعري لا محالة زيف دعاية السلطات الجزائرية بوقوفها الى جانب حركات التحرر في العالم وعلى رأسها البوليساريو، وسيستفيق الشعب الجزائري على حقيقة أن ما ينهب من مقدرات البلد، لا تذهب لصالح لاجئين أو مواطني، ولكن يتم تدويرها في جيوب سياسيين وعسكر، أصيبوا بمرض النهب والسلب، وليس لهم من علاج غير رفض الشعب لهم وتنقية الدولة من الشوائب التي سممت علاقات الجزائريين مع أشقائهم لعقود.

والأكيد أن بيان وزارة الخارجية الفرنسية الجديد حول الاعتراف الصريح بسيادة المغرب على صحرائه، هو في الحقيقة صك إدانة لسياسة حكام المرادية، فمن جهة لا ترى الدولة الجزائرية في السياسة الفرنسية عقب إحاطتها علما، سوى سياسة استعمارية تقوم على حسابات سياسية مشبوهة وافتراضات غير أخلاقية، كان من الأولى لهذه التوصيفات ان ترافق نهب مقدرات الجزائر التي استثمرها الجنيرالات في باريس الشامخة لعقود دون أن يعبؤا بمعاناة شعب قطعت اوصاله وتم تفقيره بغية اغتناء حفنة من اللصوص، فهل سرقة مقدرات بلد بحاله، لا يدخل ضمن خانة الاستعمار الجديد القديم للجزائر؟

إن التحجج بالافتراضات الأخلاقية، يدفعنا الى التساؤل عن أي سند أخلاقي توكأت عليه قيادة الجزائر، حين مطالبتها بتقسيم الصحراء الى نصفين، تتولى إدارة أحدهما لتصريف أعمالها عبر المحيط الأطلسي، ومنح بقعة أرضية بمنطقة اغوينيت لحكماء الرابوني لإنشاء مقر بلدية البوليساريو الجديد.

إن استمرار حكام الجزائر في الفجور في الخصومة، قد يدفع بتوتر أكثر بالمنطقة، سيكون الخاسر الأكبر فيها الجزائر، فمن ناحية يواصل المغرب تنمية صحرائه وتوطيد دعائم حكمه القائمة على سيادة القانون والتنمية المستدامة، ومن ناحية ثانية، أصبحت المخيمات بعد خمس عقود من سياسات القمع والإغلاق الكامل امام الصحراويين، قنابل يدوية موقوتة، لا يمكن تجنب شظاياها الا بالانبطاح أرضا وترك منطقة النزاع للمعنيين بها لتدبر أمرهم، لأن نيران تلك القنابل غير مقيدة لأنها جاذبة للحشود، قبل حدوث الانفجار الكبير.

https://anbaaexpress.ma/ckfr3

عبد الوهاب الكاين

رئيس منظمة أفريكا ووتش Africa Watch كاتب صحفي وباحث في حقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى