
كانت أول معرفتي بالأستاذ الشاعر الأديب أبو عاقلة إدريس إسماعيل آدم المولود سنة 1974 وهو من أبناء الهدندوة ويقيم بمدينة الخرطوم بحري شمبات الجنوبية والذي صدر له ديوانا شعر الأول يحمل اسم “الطرابيل” وديوان آخر يحمل اسم “وفار التنور”.
في سن مبكرة قبل أكثر من خمس عشرة سنة، والذي قدَّمه إمام العربية وعميد الأدب العربي الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب لقرَّاء العربية فيما نما إلى علمي ولكنه نفى لي شخصياً وقال نقله أحدهم له حين حاضرهم البروفيسور في منتدى النيمة الثقافي والله أعلم أي ذلك كان، وهو شاب مثقَّف للغاية ومحترم ومهذَّب جداً حاصل على درجة الماجستير في اللغة العربية من جامعة أم درمان الإسلامية.
إن لم تخني الذاكرة ومشارك فعَّال في المناشط الأدبية بالسودان بأوراق بحثية قيِّمة كصالون الدكتور حديد السرَّاج بأبي روف بأم درمان ومعهد بروفيسور عبد الله الطيب للغة العربية قاعة الشارقة، وخارج السودان بمنتدى المربد العربي العراقي الذي يقام سنوياً ببغداد العراق بالإلقاء والمشاركة الشعرية، وكذلك في الإعلام المسموع والمرئي والمكتوب وله عدد كبير من التسجيلات في الإذاعة والتلفزيون واعتبره علامة فارقة بين جيل الشباب اليوم من حيث الإطلاع وسعة المعلومات وتدقيقها مما عزف عنه اليوم من أبناء جيلنا الحالي في مشقة البحث عن الفكر وامتلاك ناصية العلم والأدب والشعر والنثر وهلم جرا.
هذا ! كانت أول معرفتي به وأنا في السنة الأولى من الجامعة أدرس بقسم الهندسة المدنية من العام 1995 من طريق زميلي في ذات القسم المهندس محمد الطيب فهو جاره في حي شمبات الجنوبية حين علم زميلي بهوايتي وشغفي في الشعر والأدب وعموم اللغة العربية، فدلَّني عليه شفاهياً ونبهني إليه وبتمكنه في اللغة العربية مما حَفَزَنِي لأتعرَّف إليه عن قرب متى ما استقام القدر في اللقاء وهذا ما حدث بعد أربع سنوات من الدراسة وكان لي عظيم الشرف بصداقته ومحبته ومعرفته بلا شك.
التقيت بالأستاذ أبي عاقلة إدريس، عُدَّة مرَّات وأسجل هذه الكلمة المتواضعة في حقه لغيابه الطويل عن الساحة الثقافية والميديا بالخرطوم والخرطوم بحري شمبات وخلافه.
وبالمناسبة هو رئيس تحرير صحيفة النيمة الإجتماعية الثقافية التي يصدرها شباب شمبات الجنوبية حيث قابلته هناك وصليت معه الجمعة بمسجد شمبات أكثر من مرَّة إذ هو الإمام الراتب لصلاة الجمعة وكذلك كان يلقي علينا دروساً في الفقه الإسلامي في نفس المسجد يوم الأربعاء من كل أسبوع بعد صلاة العشاء، ولما خرجنا بعد فراغه من الدرس سألته:
يا أستاذ، الشعب السوداني شعب انطباعي فأنت مرَّة تجدك إماماً للمسجد فقهياً في الدروس، ومرة تجدك شاعراً وأديباً وناشطاً اجتماعياً وهلم جرا؛ فهلَّا حددت انتماءك الفكري والثقافي بأحدهما إمَّا شاعراً وإمَّا فقيهاً ؟.
فرد عليَّ بطريقته الانفعالية اللطيفة:
أنا هما معاً !
فقلت له إمعاناً في التصنيف: لا بد أن تحدد ؟
قال: الاثنين معاً ! وأخذنا نضحك على اصراره في التصنيف.
في مرَّة قابلته عند محطة المؤسسة بشارع الزعيم الأزهري بالخرطوم بحري وجلسنا بعد أن صلينا صلاة العصر في جامع منزوي من المحطة وأخذنا في الحديث عن الأدب والشعر فقلت له اسمع مني هذا الشعر:
طَرِبْتُ وأهلُ الحىِّ صدَّاحا وفيك أملت بالهوى راحا
وزينة الحى بالأشواق ترقبنا والهوى أم عمرو لنا طاحا
هاكِها وهى فريدة أنَّها سوى الدمع رقراقاً وسفاحا
ترى الدمع منها وهى آمنة وما الحب إلا أذواقاً وأنفاحا
أعيده الشوقُ القديم أبثة فقد أثقل القلبَ وما ارتاحا
هاكِها أم عمرو شوقاً وتبصرة إنى في معانى الحب سبَّاحا
أم عمرو مالي وللشعر أنشده إليك بعد العمر فوَّاحا
هاكها قبلة من ثغرنا مِقَةً وهاتِها سكرى فلمَّاك أرتاحا
الخ الأبيات فقاطعني قائلاً:
هذا ليس بشعر، أنا لم أحس فيه بالموسيقا ولا الجَرْس الموسيقي فأنت لا تجيد الشعر!؟
فقلت له: لكنَّ البروفيسور أبا هاله – رحمه الله – أجازني في الشعر والأدب وأنت تعرف ذلك جيداً ؟
قال: لعلَّه جاملك، أنت لست بشاعر، أنت ناقد، نعم، وأنا أعترف لك بإتقانك للنقد أمَّا أن تكون شاعراً فلا ! ولم يدعني أكمل بقية القصيدة بحال من الأحوال.
وفي ذات الجلسة تناولنا ونحن في عتبة الشارع العام في انتظار المواصلات العامَّة شعر البروفيسور عبد الله الطيب – رحمه الله – في الأستاذ محمود محمد طه “مصاب وحزن” حين قال:
قد شجاني مصابه محمود * مارقٌ قيل وهو عندي شهيد
وذكرت طَرَفَاً منها، وبالمناسبة هذه القصيدة مكوَّنة من خمسٍ وثمانين بيتاً من الشعر تناولتها بالشرح في كتابي “قبضة من أثر الأديب” المطبوع بالقاهرة سنة 2020 من الهيئة العامة المصرية للكتاب، وهي قصيدة سياسية فكرية من الطراز الأول.
قال: بالله أنت تحفظ كل هذا الشعر بتفاصيله ولم تتخصص فيه ؟
فقلت له: طبعاً ولدي المزيد ! فاخذ يضحك بتلقائية محببة إلى نفسي.
في يوم ذكرى تأبين المرحوم الدكتور عبد الله الطيب، الحادية عشر 2014 آخر مرَّة قابلته فيها بقاعة الشارقة جامعة االخرطوم2014 يونيو، 3 في إستراحة فقرات برامج التأبين وقفنا عند إصدارات المرحوم وكان في معيته الأستاذ الشاعر الناشئ آنذاك محمد الخير إكليل صاحب ديوان “إكليل”.
فعرَّفني عليه وكنت أعرف إكليل من قبل من بعيد، فزاد التعريف بأن قال لإكليل:
إذا أردت أن تعرف مستواك الحقيقي في الشعر فعليك بإعطاء الأستاذ العتَّاق نسخة من ديوانك لينتقده ويدرسه فإمَّا طلع بك إلى السماء وإمَّا هبط بك إلى الأرض !
فقاطعته قائلاً: يا أستاذ، يا أبا عاقلة، إنَّما أنا رجل بسيط ومسكين وما هي إلا محاولات لي في النقد لا قيمة لها فلا تخيف الرجل مني !.
فما كان منه إلَّا أن انفعل انفعالته الطيبة التلقائية وقاطعني مستنكراً:
أنت رجل بسيط ومسكين ؟؟؟ انت انتقدت الشاعرة روضة الحاج، لم يسبقك عليها أحد (في زول بنتقد روضه الحاج) ؟؟؟؟.
فقلت له: على مهلك يا أستاذ إنَّما هي كلمة أنا قائلها لا تغني فتيلا ً، لا تدفع مقضيَّاً ولا تستجلب آتيَّاً ! وأخذ الجميع يضحك في حضرة المرحوم عبد الله الطيب.
وكنت من قبل قد نشرت كلمتين في الصحف السودانية السيَّارة عن رأيي في شعر الأستاذة روضه الحاج محمد، الأولى تحت عنوان “روضه الحاج، والتجني علي الشعر” نشرتها صحيفة الحقيقة بتاريخ 2012، والثانية بعنوان “روضه الحاج، ونفاد الجمل عند الفرزدق” نشرتها صحيفة الوطن السودانية في ذات العام؛ وكان قد اطلع عليهما، وعليه قال مقولته تلك الآن على الإنترنت لمن أرادهما.
هذا ! وكنت قد انشدت البروفيسور المرحوم عبد القادر شيخ إدريس أبو هاله ( 1924- 2011) في سنة 1995 – 1996 قصيدتي في مدحه وتقريظه “صورة أخرى من كأس الهوى” مطلعها:
وطفلة خود خربدة بلهاء* لها بوص متنضد خرعبة غجر
ذلفاء مفعمة عطَّا هبنَّكة * تمشي الهبلة حرداء إذ تسر
بصرتها ترحل والقوم إلى شدقٍ * وبصرت ومن وصواصها الثغر
فكأنما طنب لمحها عضبٌ * على قلبي أعشاراً ثم تستتر
فجلعبت دونما أدري رحيلهم * وكأني هويت من كميت بها سكر
هنا قاطعني الدكتور أبا هاله بانفعال شديد؛ وكنت كلما قلت بيتاً تهللت أساريره: إذهب فأنت شاعر!
قلت له بضعف غريب: يعني أمشي أهلي؟.
قال: لا، ولكن من الآن فصاعداً أنت شاعر مجيد ولا يناقشك في هذا الأمر أحد.
فانتفخ سَحَرِي وأتممت:
ألا يا حنو عودوا فاذكروا * فتاة ربع عُرِّسَتْ بينكم دهر
الصبابة بيننا عمرها أمد * والعشاق ليسوا مثلنا ولا بشر
فقام من مجلسه وانتفض: هنا موضع سجدة!. وضحك.
قلت له مداعباً – رحمه الله: إذاً اسجد يا دكتور!
وضحكنا إعجاباً من هذا الموقف النبيل، ثم ذكر لي حكاية مع الشاعر الفرزدق حين سمع بيت الشاعر لبيد بن ربيعة في المعلقة المعروفة:
وجلا السيول عن الطلول كأنها * زبر تجد متونها اقلامها
قالوا: فسجد الفرزدق، فقيل له: ويحك يا فرزدق إنما هو شعر لا قرآن، قال: أنتم تدرون سجدة القرآن وأنا أدري سجدة الشعر.
ذكرها لي البروف أبا هاله بمناسبة البيت من قصيدتي:
الصبابة بيننا عمرها أمد * والعشاق ليسوا مثلنا ولا بشر
هذا ! وجدت ديوان شعر الأستاذ أبو عاقلة إدريس ” وفار التنور” في بعض المكتبات بالخرطوم فهممت بشرائه فلم أقدر عليه وكان سعره آنذاك خمسة عشر جنيهاً لا غير، وكان بالنسبة لي غالياً جداً فلم أحظ به شرفاً كما ترى.
صورة تجمع الكاتب مع بروفيسور عبد القادر شيخ إدريس أبو هاله
في يوم تأبين الراحل المقيم أبي هاله، لم أكن أعلم ولم أحضر بطبيعة الحال لكن حضر التأبين الأستاذ الشاعر الأديب أبو عاقلة وأخبرني الخبر وسألني:
لماذا لم تأت للتأبين ؟
فقلت له: لم أكن أعلم ! ولم يدعني أحد للتأبين !
قال: أنت غير محتاج لدعوة من أحد، ثم إنك أولى من الذين حضروا التأبين إذ عرَّفك هو لقرَّاء العربية وأخرجك للناس وأجازك في الأدب !
قلت له: نعم صحيح، والله لو كنت أعلم لحضرت وإن لم يدعني أحد، ولك الشكر على هذا العتاب اللطيف منك وانصرفنا لحالنا.
منذ فترة طويلة اختفى من الإعلام صديقي العزيز أبو عاقلة إدريس إسماعيل آدم، ويمكن القول على وجه الدقة اختفيت أنا من السودان منذ عشر سنوات ولم نلتقي لمقامي بأرض الكنانة، وكنت اسأل عنه بإستمرار صديقنا المشترك (الكاشف) محمد الطيب، باعتبارهم جيران بشمبات الجنوبية، فلا أجد إجابة، وعسى أن يرد الله غربتنا ونلتقي على خير إن شاء الله، علماً بأنَّ أبا عاقلة لا يحمل هاتفاً فهذه رسالة إليه حيث كان من شعر عبد الله الطيب أديبنا وحبيبنا المشترك:
شوق إليك لا يزال ومورد * من الرغبات السالفات جموم
فما بدلت مني العهود ولا رعى* حماي الذي للأصدقاء نموم
وله من شعر أبي سُلمى:
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما * يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
والحديث عنه شجون وأكتفي بهذا القدر على أمل أن أعود مجدداً إن مدَّ الله في الآجال، وقد كتب أستاذنا المجذوب عن أصدقائه في كتابه “ذكرى صديقين” طبعة الكويت 1987 وهو لنا عزاء وسلوى في هذه الكلمة بلا ريب.




شكرررررررراً نبيلاً على المشاركة يا سعادتك
لقد عاد السيد ابو عاقلة ادريس وهو الآن في شمبات الأراضي ويعمل في مدرسة التضامن الخاصة كمدرس للغة العربية