آراءمجتمع

التّفاهة الضّاحكة

يبدو أنّ التّفاهة، هذه الموجة التي تجتاج كلّ قطاع، لم تترك فنّا أو إحساسا إلاّ واحتلت فيه مساحة لافتة للنظر، التفاهة اليوم تتمتّع بالظهور المهيمن على المشهد. لكن التفاهة في اجتماعنا السياسي أصبحت تدعو للكآبة، فأي معنى للضحك إذن؟

تراجع فنّ الإضحاك بشكل كبير، على الرغم من تقنية الصورة والمسرح والتمويل، فإنّ فن الإضحاك أصبح فنّا للكآبة نفسها. ولمّا كان الأمر كذلك، طوّروا متلقّيا ومُشاهدا خاصا، وأوجدوا فيه نزعة استهلاك التّفاهة الضّاحكة.

فالتفاهة أيضا أصبح لها جمهور به تستقوي، وبين الضحك التافه والتفاهة الضاحكة، فرق كبير. فالضحك التافه نابع من تدهور ثقافي وانزياح في مشاعر التّلقي وهشاشة في الفنّ. لكن التفاهة الضاحكة، هي تفاهة مبرمجة، ساخرة من العقل والتّاريخ.

الضحك في نظر برغسون الذي صنف عملا كلاسيكيا في الموضوع نفسه، هو ذو وظيفة اجتماعية، وله الفضل في شدّ الأواصر الاجتماعية. إن كان هذا هو المظنون في فنّ الإسعاد، فإن الضحك اليوم، قد يكون ضربا من العدوان، حين يخفي مشاعر الحقد. فالتفاهة تتيح لبعض الساكنين على الكوكب من الذين يمشون منتصبي القامة، أن يضحكوا خارج وظيفة الإسعاد أو الإندماج الاجتماعي، بل هو إضحاك مخاتل، متربّص، عدواني.

يكثر في السياسة تداولا وتحليلا هذا الضرب من الضحك المفتعل، أو بتعبير آخر التّفاهة الضّاحكة. التجهيل بالضحك، الضحك الماكر.

من له يا ترى الحق في الضحك؟

المجتمعات تحتفظ لها بحِكَم شعبية عميقة، يجب أخذ هذه الحكم بعين الاعتبار، لأنها مُحسّة ونابعة من تجربة جماعية. الشعوب تقبل بالضحك الخارجة من القلب، وهي تعني ذلك الضحك الذي يصعب تمثّله مسرحيا. هو يعكس سعادة الضاحك ويؤثّر على المجتمع. لا يحتاج الضاحك أن يتكلف الإضحاك، فهو يُضحك نفسه قبل إضحاك الآخرين.

هذا النوع من الضحك تراجع في زمن التفاهة الضّاحكة، صحيح أنّ الضحك مرتبط بالمشاعر والعواطف، لكنه أيضا إحساس منطقي، وهو مشمول بمقولة “أن ينفعل”، وليس خارج المحددات المقولية. وهناك ضحك صامت، بلا علامات من أسارير الوجه، ضحك على الذّقون نلمسه في بعض مستويات الخطاب. فوجب تصنيف الكذب على مقتضى قيمته ووظيفته. هناك ضحك (في) وضحك(لـ) وضحك(على) وضحك(من) وضحك(بـ) …فالضحك لما جُعل له.

ليس الضحك نقيضا للبكاء، فكم من مرة نضحك حتى نبكي، وكم من مرة نبكي من شدّة الضحك. عادة ما يقوم فنّ الإضحاك على ضرب من الجمع بين المتناقضات، في مشهد يبدو فيه الممثل غير آبه بالعالم. لكن ما أكثر التناقضات التي لا نأبه بها في حياتنا اليومية. أليست البشرية اليوم موضوعا للإضحاك؟ ألم يلتفت المتنبئّ لهذه الظاهرة حين قال:

وكم ذا بمصر من مضحكات +++ولكنه ضحك كالبكاء

يبدو أنّنا حين نفكك أيّ خطاب، نستطيع الكشف عن مستويات الضّحك العميق للدماغ. إنّ الخطاب الساخر الذي يخفي بين سطوره حالة اكتئاب مختلف عن مستوى الضحك الذي ينطوي على ذروة السعادة. تصبح وظيفة الضحك ليست مجرد علاج اجتماعي وصهر لأواصر الاجتماع كما نفهم من برغسون، بل يصبح استراتيجيا نقدية ضدّ المجتمع نفسه، ضدّ سلطة الاجتماعي على الفردي، تصبح شكلا من الانعتاق، وذروته، حين يسخر الفرد من مجتمع بكامله، وهو ما أسميه الشجاعة من أجل الضّحك..

لم يتطرق هيدغر فيما أعلم للضحك بخصوص الدازاين، فعلاقة الوجود بالضحك علاقة متينة، لولا قهر الكلّيات، ولولا سبق الهيلينيين لتعريف الإنسان بالعقل، لعرفوه بالضحك، إشارة إلى التعريف بالعرض الخاص، حيث الضحك مرتبط بالدازاين، لا يشاركه فيه أحد. لكن المنطقي اعتبر الضحك عرضا خاصا خارجا عن الماهية. وحينها  وجب أن نتساءل: من قال أنّ العرض الخاص ليس داخل ماهية كائن عاقل، بينما محدد عقلانيته نفسها هو إدراكه للكليات، وهذه منها، ولكنه زعم أنها خارجة عن الماهية.

فإذا أثبتنا الضحك للعقل نفسه، وبأنّ لا ضحك إلاّ بعقل وفي عقل ومن العقل، وأنّ تعريف العقل بأنه: ما كان قابلا للجنون- لأنه لا يُتصور جنون من دون عقل -وبأنّ الجنون هو ضحك العقل، انتهت حكاية التمييز بين الجنس والخاصة. فالإنسان كائن ضاحك حتى أنه في محاولة التعرف على العالم، يتصوره ضاحكا كي يعقله. فالإنسان يضحك قبل أن يعقل، يضحك بالفعل قبل أن يعقل بالفعل.

إن كان العقل هو القدرة على التمييز فلا يصار الى التمييز بين التفاهة الضاحكة والضحك الماهوي، سوى بماهية العقل نفسه. لنتذكر أن الانسان يضحك قبل أن يعقل، يضحك بالفعل قبل أن يعقل بالفعل.

https://anbaaexpress.ma/hujpa

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى