
هذه ظاهرة مثيرة حقّا، لكنها ليست “حدُّوثة”، بل هي واقع مريب: الكلاب البشرية التي بدأت تحقق انتشارا واسعا بدافع العدوى والتثاقف، وهي في طريقها للتكاثر. في بريطانيا وحدها تتحدث الأخبار، عما يفوق 6 آلاف مواطن كلب.
أتساءل من باب الفضول، هل سيحتفظ الكلب البشري ببطاقة وطنية، أم يقبل ببطاقة التلقيح المخصص للكلاب، وهل يأكل مأكلهم؟ سيطرح سؤال أكثر إلحاحا: ما هي واجبات وحقوق الكلب البشري داخل المجتمع؟ التجنيد الإجباري، الإحصاء، التصنيف، الجريمة، هل حقوقه حقوق الحيوان أم حقوق البشر، الإرث، هل يتجه نحو الطبيب أم البيطري؟
نتساءل: ما الجدوى أن تكون كلبا، إن كنت لا تملك مهارته في الصيد، والاستشعار عبر الشّم، والحراسة، وأهم شيء الوفاء؟
تبدو الظاهرة بطبيعتها الفرجوية لعبة، لكنها أبعد من ذلك بكثير، هي حالة العُصاب الأكبر الذي ضرب الفصين معا في الدماغ، هي الزوفيلية المفرطة.
الحرية في زمن الإكتئاب والتّفاهة واللاّمعنى، تجعل البشر هم الكائنات الوحيدة التي تملك قدرة فائقة على الإنحدار . وذلك لأنّ ماهيتها لا تستقر على قرار، إنّها حالة من التخارج النوعي الذي لا حدود له.
وبقدر ما تثير هذه الظاهرة الجديد شعورا بالقرف، إلاّ أنّني أعتبر بني كلبون المعاصرين أهون من بني كلبون المتنكرين، وهم يعيشون بيننا، بأنياب حادة، ولُهاث دائم، ونباح رخيم، لكنهم متخفون حتى لا يدفعون ضريبة وفاء الكلب. الكلاب المتنكرة هي أكثر خطرا على الاجتماع البشري من كلاب الفُرجة.
هذه الكلاب البشرية الظاهرة والمتصالحة مع كلبيتها لا تنصب على البشر، ولا تتسابق على المجد، ولا تزحف نحو الحظوات، فهي تقبل بأن تكون دون ذلك.
لكن الكلاب البشرية المتنكرة، تنافس البشر في ما ليس شأنا لها، وتنبح بشيء من الـ”كورتوازي”.. تخفي لُهاثها، ولا تنسى ربطة العنق، وتتسكع في المدينة.
تلك الكلاب المتصالحة مع هويتها الجديدة، تستمتع بتخارجها النوعي، تتخلّى عن جرائم الإنسان ومظاهره، لكن الكلاب البشرية المتنكرة تسعى لاحتلال دنيا البشر. لقد تكلبن الاجتماع البشري: كل إنسان هو كلب لأخيه الإنسان لم يبالغ العامة حين تقاسموا سُبّة “أولاد الكلب”.
ما يخيف حقّا ويرعب، هو تلك الكلاب التي لم تكشف عن أنيابها، فهي تتأنسن وتتكلّم وتهرول وتشارك في صوالين النقاش العمومي.
إنّ بروز ظاهرة بني كلبون المعاصرين، هو خروج هذا الميل الغريزي إلى السطح، الرغبة في أن تكون كلبا محترما يواجه مصيره الكلبي بالاعتراف، لكن أسوأ الكلاب من لا زالوا مصرين أن يظهروا في صورة بشر، يشاركوننا المفاهيم ويرتدون ربطة العنق وأحيانا يساهمون في التحليل الاستراتيجي. غدا سيمسك الذكاء الصناعي بسلاسل تشدّ الكلاب البشرية، وينظم لها مسابقة حول أرقى وأقوى أشكال النباح.
لعله من الضروري الكشف عن الكلاب المتخفِّية بين الجماعة البشرية، كلاب تريد أن تستكلب البشر، في الوقت الذي تريد أن تتأنسن. وهذه ليست فقط أخطر من الكلاب البشرية، بل تتجاوز الكلاب الطبيعية في مطالبها.
لقد تجسمت كل الأعمال حتى استكلب من في الأرض، والقادم هو تفجير الإنسان لطبقات أخرى من التّردّي، تجعل الحياة العامة عبارة عن حضيرة حيوانية. فعصرنا إما أن يكون حيوانيا أو لا يكون. ولا مناص أنّنا سنحتل مكانة معقدة في الأدب الحيواني القادم، ذلك لأنّ أبطال حكايات لافونتين هي أكثر..
براءة من مسوخنا القادمة، صدق السّياب يوما:
الليل يُطْبِقُ مرة أخرى، فتشربه المدينهْ
والعابرون، إلى القرارة مثل أغنيةٍ حزينهْ
وتفتحت، كأزاهر الدفلى، مصابيح الطريق
كعيون «ميدوزا»، تحجِّر كل قلب بالضغينهْ
وكأنها نذرٌ تبشر أهل «بابل» بالحريق
من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف
من أي وجر للذئاب؟
من أي عش في المقابر دفَّ أسفع كالغراب؟
«قابيل» أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء
ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء!
عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينهْ
والليل زاد لها عماها



