آراءمنوعات

الرياضة العقلية..

أرسل لي الأخ جميل من جدة يقول فيها: مشكلتي أني في السابق كنت احب المذاكرة ووقتي كان كله مذاكرة، ولكن في الفترة الاخيرة كلما فتحت كتابا أغلقته بعد ساعة؟ وشكا من عدم جدوى مجادلة المتعصبين، ثم سأل كيف يمكنه أن يتحكم في عقله للتغذية المعرفية؟ وهي أمور عظيمة، فكان جوابي له أخي الفاضل سدد الله خطاه إلى درب المعرفة والحكمة : لقد سألت عظيما.

أما جدل هؤلاء فينفع في اكتشاف جغرافية عقولهم، أكثر من تغيير عقولهم، وحسب ديكارت أن العقل وزع بالتساوي بين أبناء البشر، وأخطاء الناس تأتي من دفعها في منهج دون آخر، ولذا وضع ديكارت كتابه (المقال على المنهج) ورسم أربع مفاصل للمنهج التحليلي، وقال عنه؛ إنه منهج يستفيد منه الجميع بما فيهم الأتراك؟ ويومها كان الأتراك قد احتلوا نصف أوربا وفي عام 1683 كانوا على أبواب فيينا؟ أما ديكارت فكلامه كان عام 1638 م وحروب الثلاثين عاما تأكل الأخضر واليابس بين الكاثوليك والبروتستانت، ومات في ألمانيا 6.5 مليون من الأنام من أصل 21 مليونا وانتشرت المجاعة، وأكل الناس لحاء الشجر وجيف الموتى وأطفالهم، وصدر قانون نورمبرغ الذي أباحت فيه الكنيسة للمرة الأولى والأخيرة تعدد الزوجات لاستنبات النسل؟ والقرآن يقول أن من أغلق منافذ الفهم؛ سواء عليهم أوعظتهم أم لم تكن من الواعظين؟ وفي سورة يس سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن فهؤلاء لا فائدة منهم؟ وهي حالات الغانغرين العقلية، فهي موجودة في الدماغ، كما هي في اسوداد الأطراف، واللون في الدماغ أصفر آية للمتوسمين. أما القراءة والحكمة فيها؛ فهي خبرة طويلة تمتد عشرات السنين، والعديد من العقود والجهود، وآلاف الساعات وحدبة الظهر وذهاب البصر.

وكما يوجد خبراء للذب والألماس، كذلك يوجد خبراء كتب وأفكار.وفيلسوف مثل (وايتهد) صاحب الرأس الأشيب أشار في كتابه إلى (مغامرات العقل البشري) واكتشاف الجديد من شواطيء المعرفة. فكما كان المجهول في الجغرافيا جاهزا لرحلات الاكتشاف فإن دهاليز العقل أعقد وخبايا الفكر أكثر. وحتى يستولي سلطان الفكر على ابن آدم فيحب العلم كما حصل للتشيكي الذي اكتشف العدسات اللاصقة وحورب وسرق، فهذا أمر يطول، ويحتاج لتدريب، ومن سنوات اليفع الأولى، بركة للمتقين وعون من الله لعباده المتبتلين الخاشعين.

وأنا شخصيا أذكر جيدا من شبابي، أنني كنت أحمل كتابي إلى البرية، تحضيرا للامتحان؛ فلا تأتيني همة الدراسة وأشعر بالكسل وضعف النشاط؛ فكنت أخاطب نفسي؛ أقسمت يانفس لتنزلنه أولتكرهنه مالي أراك تكرهين الجنة..نعم إن للقراءة متعة دخول حدائق ذات بهجة للناظرين.

وحين دخلت عالم الصحافة في المملكة، ويعود الفضل في هذا لرجلين أبو عبد الرحمن إبراهيم البليهي، الذي ذكرني بمعاملته الكريمة لي، مافعل صاحب كتاب حي بن يقظان الفيلسوف ابن طفيل مع ابن رشد، حين قدمه للملك الموحدي أبو يعقوب؛ فخشي على نفسه، ولم يصرح بآرائه في جو من التشدد والتعصب، حتى ألان له الملك الموحدي الكلام، وأفسخ له في المجلس، وأمّنه على نفسه، فانطلق يغرد قبل هبوب العاصفة.

وكذلك كان البليهي معي، حين قدمني للفاضل رئيس تحرير جريدة الرياض، عميد الصحافة الأستاذ السديري، فأكرمني ووسع لي، وأعطوني صفحة في جريدة الرياض، تحت عنوان حروف وأفكار، فكتبت فيها 235 مقالة قبل أن انتقل للشرق الأوسط، فأكتب فيها أكثر من 320 مقالة، وكانت المقالة في الرياض منذ أن بدأت فيها في عام 1993م في أكتوبر محنة كبيرة لي، حين كنت استنفر في مكتبتي أسبوعا كاملا، مع صفوف لاتنتهي من المراجع والكتب والمجلات مكدسة مبعثرة.

وكانت المقالة بالهوامش والمراجع ورقة عمل حقا، وأحيانا كانت تتجاوز 4000 كلمة، وكنت أطّور فيها، وعملتها في النهاية على شكل كوانتوم، من عشرة دفقات من الفكر بعناوين متفرقة.

وفي الشرق الأوسط كانت المقالة بدون مراجع، ومقتضبة وغير طويلة؛ فاختلف الموضوع، قبل أن أدخل عالم الزاوية أو العمود، كما حصل معي مع زاوية العلم والسلم في الاقتصادية الحالية، التي طورها الأستاذ الفايز على نحو نوعي خلاب وأتذكرها بلونها غير الملون القديم.

والحاصل كانت المقالات الأولى رحلة نصب وعذاب، ومراجعة عشرات المصادر، وكنت في مكتبي، بعيدا عن أسرتي وأهلي، واسهر حتى ساعات متأخرة من الليل، حتى تولد المقالة، فأهرع إلى زوجتي رحمة الله عليها، أتلوها عليها، ثم تعدل وأحيانا عشرات المرات، وأعرف تماما معنى حرية التعبير؛ فحين يكون العلم سلما يتدفق ينابيع تنبجس، وأما السياسة ونزاعاتها فلا طائل تحتها، وهي قنابل للجميع تفجر مصير أكثر من الكاتب والمحرر.

ويسألني الكثيرون من الأخوة الأفاضل أنهم إن قرأوا ناموا وشردوا، وإن ركزوا تبخروا، وإن أرادوا الاستذكار لم تسعفهم الذاكرة، وأنا أعترف لهم أن ذاكرتي أخذتها من والدي، الذي كان يكرر رقم تلفون بسبعة أرقام من مرة واحدة يسمعها وهو في عمر التسعين؟ ولعل سرها في بروتينات الدماغ.

ولكنه قبل ذلك الجهد الخالص والتدريب الشاق، وأذكر من شبابي أنني كنت أحفظ كتبا كاملة عن ظهر القلب، وفي امتحان التاسع نهاية المرحلة المتوسطة (البروفيه) كنت أنقش من الذاكرة وكأنها كتاب مفتوح عن لقاء تيتو وعبد الناصر في اجتماع جزيرة بريوني، وكلها من خرابيط وكذب الساسة الدجالين ولذلك كانت مستودعات الذاكرة عندي مخيفة حاضرة مليئة بالأراشيف والأرقام وتزداد كثافة وتشابكا كل يوم.

وخلاصة ما نصل إليه أن سر الأمور هو في: تدريب من الصغر، وطول وقت، وهمة عالية، وتفرغ مكين، وخلو الذهن من الهم والحزن كما قال ديكارت عن تجربته في أولم من جنوب ألمانيا وهو يضع منهجه في اليقين في الوصول إلى الحقائق؟ واعتزال محدود، ودماغ جيد نشط ،وتغذية معتدلة، وإشباع للغرائز، حتى تلين الكلمة للكاتب، والفكرة لصاحب القلم، كما ألان الله الحديد لداوود.

والنحاس لسليمان، فأسال له عين القطر، وتجاوبت الطبيعة بأسرارها مع داوود فكان يسبح معه الطير والجبال بالعشي والإشراق.. وكانت الريح تسري إلى الأرض المباركة والجن يعملون له عملا دون ذلك.. نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر.

https://anbaaexpress.ma/4qi9f

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى