آراءثقافة

وقفة تأمل.. مع ” الطهارة” في الإسلام

A pause for reflection with "purity" in Islam

تعريف definition

الطهارة فرق من النظافة؛ والغسل كما ورد في القرآن فرق من الاستحمام؛ فيمكن أن تعطي النظافة معنى الاستحمام من طريق الغسل والاغتسال بالماء وتعميمه على الجسد لكن لا تعطي معنى كلمة النظافة معنى الطهارة عن طريق الغسل بالماء أو التراب ( الصعيد الطاهر أو الصعيد الطيب ) في حين حدوث الاضطراب بين مفهومي الطهارة والنظافة الحسيتين والمعنويتين في العقل الجمعي الواعي المحمدي بالذات إذا أراد التفريق بين المفهومين كما جاء السياق اللفظي والدلالي في القرآن الذي يفصل بين المفهومين تماماً .

وردت كلمة الطهارة في القرآن الكريم حوالي واحد وثلاثين مرةً ( 31مرةً )؛ ووردت كلمة الغسل ومشتقاتها أربعة مرات فقط ( 4 مرات)؛ والطهارة عكس النجاسة ويحملان معانياً معنوية داخلية للنفس البشرية ومنها الوضوء؛ كالنوايا القلبية والخواطر الفكرية؛ كذلك النظافة عكس الوساخة أو القذارة؛ ويحملان معانياً ظاهرية خارجية للنفس البشرية؛ كالثياب والجسد؛ راجع القواميس العربية؛ قال تعالى : { وثيابك فطهِّر } سورة المدثر؛ وقال بعضهم يريد القلب؛ فلفظة الطهارة هنا تعني النقاوة الظاهرية الشكلية والباطنية المعنوية.

قال امرؤ القيس الكندي :
وإن تك قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل

وهنا جاء بالمعنيين سواء كما ترى وإن كان للمعنى الداخلي الباطني للنفس البشرية أقرب منه إلى الشكلية الخارجية لها ، فالخليقة من الأخلاق والصفات لا من الشكليات البائنة من معاييب الجسد؛ قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } سورة القلم؛ فالخليقة من الخُلُق الخُلُقية والأخلاق القيمية الداخلية للإنسان لا من الأدران الظاهرية الخارجية له.

بطبيعة الحال أحصر كلمتي هذه في موضعين فقط من حيث الربط بين مفهومي الطهارة والغسل باعتبار الغسل يؤدي إلى الطهارة؛ الغسل الذي جاءت صفته في موضعين فقط من القرآن الكريم بسورة المائدة : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) } وبسورة النساء : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) }.

حسناً! يطيب لي وأنا أكتب هذه الكلمة أن أضع القاعدة النورانية الأصولية بموجب الآيتين السابقتين اللتين هما من وضعها ولست أنا؛ أنا فقط بينتهما شرحاً؛ وبصورة أدق وأشمل : الله تعالى هو من وضع هذه القاعدة النورانية الذهبية الأصولية لتكون نبراساً للمسلمين أبد الدهر كالنجم والصخر الصلاد إن شاء الله.

هذا النبراس الغرض منه أن يكونوا على ديمومة منها مثلهم مثل الملائكة الأطهار؛ لذلك أقر أمرين اثنين هما :
الأمر الأول؛ وضع الفكرة الأصولية لديمومة الطهارة بالنسبة للمحمديين ومن تبعهم من بقية الناس. الأمر الثاني ، في حالة عدم القدرة والطاقة على ديمومة طهارة البشر المحمديين ومن تبعهم على حالتهم التشبهية بالملائكة باعتبارها لا مناص منها بحال من الأحوال على الأفراد أو على الجماعات أو الاثتين معاً ،ل فعليهم بالتمسك والالتزام بالطهارة غسلاً في الحالات الآتية ذكرها ، إذا فهمنا دلالة كلمة الصلواة التي وردت في الآيتين الكريمتين اللتين شرحناهما من قبل / راجع مقالاتنا عن معنى كلمة الصلواة؛ الصلاة في هذا الكتاب / واللتين اثبتتا الحالات الآتية اجباراً :

1 / الجنابة ( كالإحتلام للرجل وللمرأة معاً ، والحيض أو النفاس أو ما أشبه للمرأة فقط ) .

2 / المرض ( ومثالها ما كان من نبي الله أيوب عليه السلام؛ ولا تتقيد بحالة مرضية بعينها أي بعموم المرض ).

3 / السفر ( بدون تقييد لمسافة معينة ).

4 / العودة من الغائط ( بعد القضاء من الحمَّام أو ما خرج من السبيلين).

5 / ملامسة النساء ( الجماع والمباشرة الجنسية ).

6/ السُكْر ( العِلَّة من ذلك هو تمام العقل وحضوره في كل حياة الإنسان ؛ فمنع الاختلاط عند السُكْر حتى يعلموا ما يقولون وفي ذلك حفظ للجوارح وللجوانح من التعدي والتغول من بعضهم البعض فتؤدي لما لا يحمد عقباه من الكوارث والمشاكل بسبب غياب الوعي من العقل ).

بمعنى أبسط : إذا لم يكن في مقدور المحمديين المسلمين ومن تبعهم بتقليد وأداء الغسل طهوراً طيلة الوقت أو طيلة العمر أو أغلب الوقت يومياً ؛ وهذا من الصعوبة بمكانة وأكبر من طاقتهم المعتادة بلا شك ؛ فلا تثريب عليهم ، لكن ما لا بد منه هو الحالات الست السابق ذكرها فلا بد أن يكون المرء فيها على طهارة سواء إن كان عملاً فردياً ( كالمرض أو الخروج من الغائط أو السفر أو الجنابة أو السُكْر ) أو عملاً جماعياً ( لذات الحالات أيضاً فالفرد يدخل حيز الجماعة ولا تدخل الجماعة في حيز الفرد وهذا مفهوم بطبيعة الحال ) مثل التجمع البشري فوق اثنين إلى ما لا نهاية في أي مكان وأي زمان / الصلوات الخمس المعروفة لدى الجميع أحد أكبر وأعظم التجمعات الإنسانية في الجوامع والميادين العامَّة وفي البيوت وما إلى ذلك فتتطلب الطهارة بالغسل فرضاً / ؛ وللجماعة أوكد وأثبت وأقوى لقرينة لفظة ” الصلواة ” الواردة في الموضعين واللتين تعنيان العمل المعين المحدد في جماعة ما ؛ ولا يخفى الأداء الثنائي في ملامسة النساء بين رجل وامرأة وبالعموم بطبيعة الحال ؛ وما يتعدَّى عمله الاثنين فطبيعي يدخل في العمل الجماعي فاللفظة تحمل المعنيين : العمل الفردي؛ والعمل الجماعي.

صفة الغسل طهوراً The characteristic of washing is pure

وهي كالآتي حسب ما ورد في اللفظ القرآني < ملاحظة مهمة : أنا أتكلم عن القرآن الكريم فقط لا غير ولا أناقش غيره شرحاً وتأويلاً في هذا الموضع ومن أراد المزيد من الاسهاب والشروح فعليه بمراجعة المصادر والمراجع الإسلامية التاريخية المعروفة > :

1/ غسل الوجه ( لم يحدد النص حدَّاً بعينه لغسل الوجه لكن الأقرب للمعنى وهو الثابت والشائع غسل كل حدود الوجه من أعلى الجبهة حد بداية الشعر إلى حد نهاية الذقن ومن حد الأذن للأُذُن الثانية؛ أي : عموم الوجه ) .

2 / غسل اليدين إلى المرفقين ( ومن زاد فلا حرج لكن لا ينقص) .

3 / مسح الرأس ( اللفظ هنا مطلق لعموم الرأس وبعضهم قال بالجزء يكفي لكن الأثبت هو التعميم لسياق الآية ).

4 / مسح أو غسل الأرجل إلى الكعبين ( باختلاف القراءة للرسم القرآني المكتوب بين دفتي المصحف بين الخفض آخر الحرف وبين النصب؛ يختلف المسح عن الغسل؛ لكن ما عليه الشيوع هو الغسل والغسل أثبت وأقوى من المسح) .

في حالة عدم وجود الماء In the absence of water

جاء الأمر الإلهي في حالة عدم وجود ماء لذات الأسباب السابق ذكرها وحدث أي من الحالات عاليه؛ لفرادى أو لجماعات لم يعف الشارع السماوي أيَّاً منهم لا فرداً ولا جماعة حال حدوث واحدة منها أو كلها أن يكون البديل حال عدم وجود الماء التيمم ، كالآتي :
1 / مسح الوجه ( راجع التعليق على ما سبق في البند السابق عند وجود وحضور الماء ).
2 / مسح اليدين ( شرحه ) .

الغاية والمقصد الجوهري والقاعدة الأصولية هو ما ذكرناه أول هذه الكلمة من ذات الآيتين :

1 / ما يريد ليجعل عليكم من حرج ( في حالة عدم طاقتكم وتحملكم لديمومة الطهارة وحتى في الحالات الملزمة لكم وضع البديل عند عدم وجود الماء فقال بالتيمم مع الإبقاء على حالة الطهر مهما كان ) .

2/ يريد ليطهركم ( لاحظ : لم يقل لينظفكم بالغسل من طريق الماء بل قال ليطهركم ).

3 / وليتم نعمته عليكم ( الطهارة من نعم الله على الناس وبالذات المحمديين ومن تبعهم بإحسان).

4/ ولعلكم تشكرون ( أن جعل لنا مثلاً في الطهارة من خلقه وهم الملائكة المكرمون الأطهرون؛ ثم لاحقاً الأزواج المطهَّرة من الولدان المخلَّدين والحور العين في الجنان؛ إذ وجب شكره تعالى لما أنعم به علينا من تمام النعمة والحمد لله رب العالمين ).

5 / العفو ( لمن لا حيلة له ولا طاقة ولم يتعمد المعصية.

6/ المغفرة ( لمن له حيلة وطاقة لكنه تكاسل أو أهمل أو تغافل أو قصد وما إلى ذلك؛ الطاعة فإنَّ الله غفور ) .

معنى كلمة ” لا تقربوا الصلواة وأنتم سكاري ” Meaning of the word “Do not approach prayer while you are intoxicated”

ركز في العقل الباطني الجمعي الإسلامي تسبيب نزول آيات القرآن بغرض الشرح والتفسير؛ وهذه مرحلة زمنية في تقديري تجاوزت الزمن بسنوات ضوئية بحكم الوقت؛ وبحكم تطور العلم ومعطياته يجب فك هذا التعارض والإشكال والتساؤل إن وُجِدَ بقليل من التريث والتدبر؛ وبحكم تطور العقل البشري نفسه ، فأنا أفهم معنى الآية : { ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } سورة النساء؛ أنَّها تمنع وتنهي عن التجمع والاختلاط والتكتل الجماعي في كل المستويات والمسميات التي تضطر الناس لذلك الاختلاط والتكدس والتجمع والتكتل لأداء عمل معين وهم سُكارى قطعاً ومنعاً منعاً باتاً ونهائياً والعِلَّة كل العِلَّة في التعقل والتدبر وحضور وكمال العقل وتمام الفكر عند أي اختلاط بين اثنين فأكثر فلا تؤدي حالة السُكْرِ لوقوع فتنة أو مشكلة أو مصيبة أو كارثة أو ما أشبه؛ ولا تعني بحال من الأحوال بالتخصيص والتحديد الصلوات الخمس المعروفة لدى الجميع؛ لكن بالعموم طالما تودَّى الصلوات الخمس في جماعة مكونة من اثنين فأكثر يمنع فيها ما يمنع في مثلها من التجمعات والاختلاطات ذات الملامح والشبه لكن على التخصيص فلا الآية ولا لفظة الصلواة فيها تدل دلالة قطعية على أنَّها هي المقصودة دون غيرها من جميع النواحي الاجتماعية إذ لا يقتصر ولا يتحدد ولا يتعين ولا ينحصر ولا يتمركز فيها دون غيرها فالمعنى هنا مطلق لا مقيد بحال من الأحوال وبغض النظر عن ما ورد في مفهومها قديماً وحديثاً وما أثبتناه هنا أصوب وأجود إن شاء الله.

وكذلك بصورة ثانية ، معنى كلمة الصلواة في آية : { إذا قمتم إلى الصلواة } سورة المائدة؛ لا تعني تحديداً الصلوات الخمس المعروفة لدى الجميع بل تتعداها إلى غيرها من معاني أداء الجماعات والاختلاطات مما سبق بيانه عاليه فيوضع في موضعه من باب التركيز والتعميم للمعنى لا لتقييده.

هذا هو معنى كلمة الطهارة في الإسلام من القرآن الكريم بالآيتين الكريمتين وقد تم تفصيل التفريق بينها وبين مفهوم النظافة من طريق واحد هو استعمال واستخدام الوسيلة الواسلة لهما معاً بالماء؛ فأتمنى الإنتباه والتركيز على هذه الملحوظة المهمة حتى لا يقع المجددون في الدين في ذات الخطأ الذي وقع فيه التقليديون فننتفع من الخطأ التاريخي بتصحيحه والاعتناء به فهذه ثروة معرفية لا تقدر بثمن ويتبناها السواد الأعظم من البشرية المسلمين في كل الحقب التاريخية بلا شك؛ ” وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين”.

https://anbaaexpress.ma/iou52

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى