آراءسياسة

حين لم ينصت الإخوان إلى طارق البشري؟

وكان د. طارق البشري الذي تولّى مناصب قضائية كبرى في مصر، مثل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة المصري، قد تمّ تعيينه في فبراير عام 2011، رئيسا للجنة تعديل الدستور المصري من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وكان المرحوم أنذاك قد أظهر الكثير من الحياد ورباطة الجأش في تدبير أزمة الانتقال الديمقراطي، بحسّ قانوني رفيع.

وبدا أنّ الرجل كان يدافع عن الحركة المنظمة ومصير الدولة والمؤسسات. وقد سألناه يومها عن وضعية الفوضى التي كانت مؤشّراتها تظهر في مظاهر الاحتجاجات والمسيرات في الشارع المصري. غير أنّه أظهر حكمة القاضي المتمرّس، حين أجابنا بأنّنا نريد أن نعرف ما هي القوى الموجودة في مصر وحجمها.

كان ميدان التحرير ومحيطه يومئذ يغلي بمظاهر الاستعراض، بشقيه: المنظم والعفوي. وحينها حدّثنا المرحوم طارق البشري عن الإستنتاج الأخير، ألا وهو أنّه حتى ذلك الوقت كانت هناك جهتان منظمتان في مصر، يمكن الرهان عليهما للخروج من حالة الفراغ، المؤسسة العسكرية وهي ضامن لقيام الدولة، أما في الجهة المدنية، فقد كان تنظيم الإخوان المسلمين. وهذا ما يفسر النوايا التي تمّ فيها العمل المنظم تفاديا لمخاطر الاحتشاد غير المنظم.

وبالفعل، أسفرت الانتخابات التشريعية على فوز الإخوان(حزب الحرية والعدالة) بأكثرية، ولكنها ليست مطلقة، أي في حدود 47 في المائة، كما حصل حزب النور السلفي على 25 في المائة، وحصل حزب الوفد على 10 في المائة.

سيكتشف البشري فيما بعد، أنّ الإخوان سلكوا مسلكا لطالما نبّه البشري إلى خطورته. فبينما كان النزاع بين القوى المتبارية في ميدان التحرير، بين القوى المنظمة والقوى التلقائية، ها هم الإخوان ما أن سيطروا على المجلس التشريعي حتى تغلغلوا في كل مكاتبه ولجانه وبدؤوا يستعملون أكثريتهم في تغيير الهيئات وفرض السياسات.

كان رأي البشري أن تتعاون القوى المنظمة بمجلس الشعب مع القوى النظامية في مؤسسات الدولة للعبور بمصر إلى برّ الأمان، غير أنّ الإخوان آثروا النزاع مع الطرف الذي يمثل مؤسسات الدولة، وحين فشلوا لجؤوا مرة أخرى إلى العمل التلقائي عن طريق تحشيد الجمهور.

لاحظ د. طارق البشري على الأكثرية في مجلس الشعب، استعمالها الخاطئ للسلطة التشريعية في خدمة أهداف الحزب وليس الصالح الوطني العام، وهو ما وصفه بالانحراف في استعمال السلطة التشريعية. كما لاحظ أن الإخوان حاولوا تغيير هيئة قضائية، المحكمة الدستورية، بضغط الأكثرية،وهي هيئة قضائية معروض عليها أمر هذا الحزب باعتباره طرفا في دعوى، وهو ما رأى فيه تهديدا لاستقلالية القضاء.

لقد استعملوا الأكثرية ليس في نطاق اقتراح التشريعات ومراقبة عمل الحكمة، بل كانوا يحاولون فرض سياساتهم ، متجاهلين وضعية الأغلبية النسبية.

وكان قد استغرب من موقف الإخوان الذين فشلوا في إسقاط الوزارة نظرا لعدم امتلاكهم لا “الوسيلة القانونية ولا الدستورية ولا السياسية”، لجؤوا إلى الإضراب عن العمل، الشيء الذي ارتآه غريبا، إذ لم يحدث في التاريخ أن قامت سلطة من سلطات الدولة يالدعوة إلى الإضراب.

وقد غفل مجلس الشعب أنه عندما يقرر الإضراب، فإن هذا يتيح للمجلس الأعلى للقوات المسلحة إصدار مراسيم قوانين عند الضرورة، ولأن الإضراب لم يستمر طويلا، لم يحصل ذلك.

كان أحرى، لو أنصت الحزب المذكور لنصائح طارق البشري، إذن لما اضطرّ حمار الشيخ إلى الوقوف في العقبة. وفي ضوء هذا النقاش وتلك الملاحظات، يمكن فهم ما جرى في مصر، ليس بوصفه انقلابا على الثورة، بل لكونه نزاعا استفحل نتيجة تجاوز الفقه الدستوري في تدبير المرحلة الانتقالية، ودائما سيحدث مثل هذا.

وهو في نظري يعود إلى سببين:

– التردد بين لعبة الحشد التلقائي ولعبة العمل التنظيمي. فلقد لاحظنا أيضا أنّ تجربة الإخوان ومن مرجعيتهم كذلك، يترددون بين العمل الجماهيري بمدلوله الثوري وفي الوقت نفسه العمل التنظيمي والإصلاحي. وغالبا ما يسقطون في منتصف الطريق، لأنهم لم يحسموا خياراتهم، ويعيشون على إيقاع الفصام الحاد، وهو ما ينتهي إلى مظهرين تناقضيين للبارانويا السياسية، حيث يظهر في موقفين، موقف المعارضة من داخل الحكومة، بين سلطة الأغلبي وبين الشعور بالإضطهاد.

– التفرد بالحكم على حساب الشراكة، وتجاهل ما تفرضه النسبية من إلتزام بالقواعد الدستورية.

بقيت تجربة المرحوم د. طارق البشري في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ مصر، شاهدا على طبيعة الاشتباك الذي انتهى إلى هذا الوضع.

إنّ الجهل بالدستور وعلم السياسة هنا ليس كافيا لتفسير الاستعجال الخطير في الهيمنة على المشهد السياسي في مصر، بل هناك نزعة الثّأر والإغترار بالأكثرية النسبية، وغياب حسن النية.

مرة أخرى نتحدث عن حسن النية وفي تقديري وهذا أهم من الخبرة القضائية للمرحوم البشري، ألا وهو تمتعه بالنية الحسنة في تحمّل عبئ التعديل الدستوري في سياق تداخلت فيه مقتضيات الإنتقال السياسي والعدالة الانتقالية بشروط جيوسياسية قاهرة.

https://anbaaexpress.ma/9f4h5

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى