آراءثقافة

مفهوم الشهيد في الإنسانية..

The concept of the martyr in humanity

تمهيد Preface

يخرج هذا التعريف عن المفهوم العام لمعنى الشهيد دلالة وفقهاً وديناً؛ ذلك لأنَّ هذه المسائل غيبية في مفهوم المقابل من الأجر والثواب يوم القيامة لمن قُتل في الحرب عند عامة المسلمين أو كمن مات أو قتل في معركة تاريخية إسلامية سياسية بحتة أخذت الطابع الديني بفهم أنَّ الشهيد له ما له من مقابل وتحفيز عظيم يوم القيامة وله الدرجات العلى من الجنة ويزوج بعدد كبير جداً من الحور العين وما إلى ذلك؛ ولا أتعرض هنا لذلك المنحى المعتقدي الديني الإسلامي المحمدي وما ورد فيه من بحوث وآراء في المصادر الإسلامية المعروفة بكتب التراث ؛ لكني أوضح معنى كلمة الشهيد والشهادة بغير ما هو متعارف عليه إجماعاً عقدياً من القرآن الكريم فقط لا غير ومن أراد المزيد من الاسهاب والشروح فعليه بمراجعة الكتب والمراجع والمصادر المتعارف عليها بلا ريب.

الشهيد في الإنسانية Martyr in humanity

يعرف الشهيد عن طريقين يشترط فيهما المعرفة أو هكذا تذهبان المعاني الدلالية بوجوب المعرفة حضوراً أو غياباً عن حدث معين هما :

1 / المعرفة الحسية Sensory knowledge

وفيها ينبغي أن يكون الشهيد شاهداً على فعل أو واقعة أو حدث أو حركة نشاط أو ما يشير لذلك بعينه ( البصر ووظيفته النظر ) وسمعه ( الأُذُن ووظيفتها السمع ) الحاستين وسيلتي المعرفة حين حدثت الحادثة أو وقعت الواقعة ؛ كشهادة الشهود على التعاقد بين طرفين أو شهادة الشهود في القضاء وما أشبه؛ ومثالها من قوله تعالى بسورة البقرة : { واشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد } ؛ وهذه الشهادة شرطها المشاهدة أثناء الحادثة المعنية؛ بمعني المعرفة عن طريق حاستي السمع والبصر حضوراً لا غياباً وإلا تعتبر باطلة ولا قيمة ولا عبرة بها.

2 / المعرفة المعنوية Moral knowledge

وهي عكس الأولى تماماً؛ لكن يظل عنصر المعرفة العامل المشترك بين الطريقتين؛ وهو الشهادة بالغيب مما لا يعرفه البشر كالميتافيزيقية مثلاً كحالة الأنبياء؛ وهم المشار إليهم بقوله تعالى : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً } سورة الأحزاب؛ فشهادة النبي هنا شهادة غيب على الناس من الله تعالى تتخطى الحواس وسيلة المعرفة والإدراك بطبيعة الحال أو بمعنى ثاني : هي شهادة البشر للبشر عن ظهر غيب وهو ما نعرفه اليوم بالخبرات التراكمية المعرفية لأمر ما أو حدث أو وقيعة ما وهكذا فهذه الخبرات المعرفية التراكمية لا تتطلب وسيلتي المعرفة عن طريق السمع والبصر فيكون شاهداً على حدث لم يكن حاضره ولكن تكفيه معرفته المسبقة لمجريات الأمر المعني أو المخصوص بطلب الشهادة؛ ويمكن تعريفها أو صياغتها بشكل ثالث وهو : الاستشارية المعرفية في تخصص معين من متطلبات الحياة كالطب والهندسة والقانون والعلوم والفيزياء الخ.

الشهيد في سبيل الله Martyr for the sake of God

هذه الكلمة أو العنوان يعطيك شعوراً فقهياً دينياً عقدياً اسلامياً للمقابل لمن مات أو قتل في الحرب أو المعركة الدينية مثل معركة أحد وبدر وحنين ( لم تكن معارك دينية لكن لها أسبابها السياسية وتم صبغها باسم الدين لتأخذ طابعاً عقدياً مُقدَّساً لدى الناس، راجع الفصول السابقة من هذا الكتاب ) وحتى المعارك المصطبغة بالصبغة الدينية الإسلامية لا أساس لها من الصحة والوجود ما عدا فتح مكَّة (غزوة وقعت في العشرين من رمضان في العام الثامن من الإخراج النبوي ، الموافق 10 يناير 632م ) التي لم تفتح بقتال أو عنوة باعتبارها نهاية عبادة الأصنام والأوثان إلى الأبد على ظهر الأرض ولكن فتحت عبر اتفاقية عرفت في التاريخ الإسلامي بـــ صلح الحديبية Hudaybiyah peace سنة ستة من الإخراج النبوي الشريف الموافق لسنة 630 للميلاد.

وقد ذكرت لكم أول المقال إنَّ هذه من الغيبيات التي يعرفها الله تعالى تعظيماً لمن قدَّم نفسه فداء للدين والعرض والوطن والإسلام وما شاكله؛ فهذا المقابل لم يرد عليه نص ثابت وصريح وقطعي في القرآن الكريم فأبني عليه كلمتي هذه ولا يعنيني نقاشها إذا ما كانت خارج المصحف الشريف بحال من الأحوال وبغض النظر عن شكل المعتقد البشري في ذلك والمحمدي تحديداً.

بصورة ثانية؛ الشهيد في اللغة العربية والمصطلح الفقهي الديني المحمدي يعني من شهد الحرب أو المعركة أو الغزوة أو القتال بحاستي السمع والبصر فشاهد ما شاهد وعاش وحكى للناس الذين لم يشهدوا مثل ما شهده هو بأم عينه وحِدَّة سمعه وبصره فهو شهيد بلا شك؛ والعكس صحيح أيضاً؛ بذات الفكرة الموضوعية تلك هو شهيد على الحادثة أو المعركة أو الغزوة أو الحرب وإن مات ولم يقابل ولم يلق أحداً من الناس ليحدثه عما شهده فيرويه لهم مثل ذلكم الرجل الذي عاش وحدث الناس بما رءاه بطريقي السمع والبصر .

بمعنى ثالث؛ من مات أو قتل في الحرب ؛ أو من حيا وعاش هما شهيدان بلا أدنى شك بغض النظر عن المقابل والمحفز الأخروي ما هو لكليهما .

بمعنى رابع؛ إفراغ محتوى العقيدة الدينية والقناعة الفكرية والشعور الإيماني عن مفهوم ومضمون الشهادة في الحرب أو في السلم فهذا ما لم يقل به القرآن الكريم ولا مرة واحدة قط؛ وأرجو التركيز والإنتباه لهذه المعاني التي وردت في سياق المقال فهي من الأهمية بمكان لا يستهان.
لاحظ؛ اتفاق دلالة ولفظة الشهيد في الحالتين : الحرب والسلم؛ أنهما تدخلان في حيز المعرفة بوسيلة حاستي السمع والبصر ، والخبرة المعرفية التراكمية؛ وفي ذات الوقت يخرجان من معرفة ومضمون المقابل في الدار الآخرة بالثواب والجزاء؛ الشيء الذي لم يحدثنا به القرآن؛ وهذا ما لزم توضيحه والله المستعان .

https://anbaaexpress.ma/bppek

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى