آراءثقافة

الحديث النبوي الشريف بين قوة المتن وصحة السند

اعتماداً على الآية الكريمة وبالرجوع إليها مصدراً تشريعياً مؤكداً لا يقبل التشكيك ولا الطعن وبالنقل متواتر السند يكون حديثنا وموضوعنا عن: الحديث النبوي الشريف بين قوة المتن وصحة السند في قوله تعالى: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } والآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } سورة الأحزاب.

يتلخص وينحصر رواية الحديث النبوي الشريف قاعدة أصولية ومرجعية نصية لا تقبل التشكيك ولا الطعن ولا الإتيان لا من بين يديها ولا من خلفها تنزيل من حكيم حميد، في محورين أساسيين لا ثالث لهما هما:

1/ القول أو اللفظ النبوي الشريف من فمه مباشرةً حيث وجهه وأشار به وإليه ودل عليه من دائرة الصحابة المقربين رضوان الله عليهم بطريق صحيح كما يعرفه السواد الأعظم من الناس بعد قياس عامل الحفظ والذاكرة والغرض والمناسبة والأخلاق والتثبيت والعقل والمعاصرة والمصاحبة لهم جميعاً من هذا الباب ثم يكون اعتماده أو عدم اعتماده بعرض الحديث واللفظة المستخدمة على النص القرآني ثم بعد ذلك توضع مرتبته ومنزلته والعمل به أو عدم العمل به وما إلى ذلك.

2 / القول أو اللفظ المنسوب للجناب النبوي الشريف والذي ترويه أمهات المؤمنين الاثنتي عشر من طريق معين لا يتعداه لغيره من الناس بحال من الأحوال (الاثنتي عشر زوجاته عليه السلام ، موضع مراجعة ليس ههنا موضعها ويفرد لها بحثٌ خاص لاحقاً إن شاء الله)، وهذا الطريق الذي اعتمده أنا إن شاء الله هو نص الآية الكريمة: { لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } سورة الأحزاب آية 55.

هذا البند في تقديري بعد مراجعة الصحاح الستة أو قل إن شئت: العشرة المنسوبة للجناب النبوي الشريف، والذي يرويه من يرويه في هذا الباب الثغرة التي أفضت لنا يسمى بـــــ “الخلاف في قوة السند وتواتر صحة الحديث” من باب الاجتهاد أو الاشتراط للرواة والمحدثين، وسيرد بيانه بالتفصيل إن شاء الله في كتاب منفصل عن هذا الكتاب؛ لكن ما أريد تثبيته هنا بالضبط البحث عن تفريعات أسر الذين ذُكِروا في الآية السابقة المنوط بهم رواية الحديث إن وجد من أهل البيت – أي نساء النبي صلى الله عليه وسلم – والذين لهم الحق في نقل الحديث منهن بذات الشروط الواردة في البند الأول في التحقيق والتثبيت والضبط؛ فإذا وجد تسلسلاً تواترياً طبيعياً بنص الآية الكريمة: { وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب } أخذنا منهم بالرجوع للقياس المذكور هنا أعلاه وإن لم تتوفر فيهم الشروط الأهلية للنقل تركناه لأنَّ الاحتكام للآية أثبت وأقوى بلا شك وهو عدم الأخذ بهم وبقولهم بنص الآية: { ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن } لعملية النقل والتواتر للمتن المنسوب للجناب النبوي الشريف.

يخضع المحوران أعلاه لشرطين جوهريين أساسيين هما:
1/ قياس المحور الأول بعرضه على النص القرآني الأثبت والأقوى وغير الخاضع للمقارنة مطلقاً ثم الرواة الأدنون عنه عليه السلام بقياس يذكر في موضعه أعلاه.

2/ قياس المحور الثاني على أهل البيت المذكورين في الآية الكريمة الخامسة والخمسين من سورة الأحزاب، ثم عرض الحديث على النص القرآني الأثبت والأقوى وغير الخاضع للمقارنة مطلقاً، ثم عرض الرواة على شروط بعينها هي ذات الشروط الموضوعية للمحور الأول.

إذا وجد توافق بين اللفظ النبوي الشريف المنطوق من فمه مباشرةً من أحد الطريقين المذكورين أعلاه وبين النص القرآني أخذنا به مباشرةً ويكون مقبولاً عندنا، وإذا خالف اللفظ النبوي الشريف المنطوق من فمه مباشرةً من أحد الطريقين المذكورين أعلاه النص القرآني الأثبت والأقوى تركناه ولا نأخذ به البتة ويلغيه تماماً لأنَّ النص القرآني أثبت وأقوى وغير خاضع للمقارنة مطلقاً؛ وربما قبلناه من باب فضائل الأعمال والدعاء فيما لا يتعلق بالنصوص التشريعية للأحكام وإلا ينظر لها في إطار المجتمع المدني آنذاك بحكم ثقافتهم وطبيعة التعامل الحركي النشاطي للحياة عندهم ولا يسقط على ما بعده من العصور التي تلت الحقبة النبوية الشريفة بعد وفاته مباشرةً إلا لأخذ العبرة والتأمل والموعظة الحسنة لا الإسقاط ولا القياس ولا الإجماع ولا الاجتهاد المكرر، ذلك لاختلاف المعايير الحكمية بين عصر وآخر ويجب أن يكون الرجوع إلى الثوابت القطعية الثابتة المتواترة في النص القرآني فقط بمسألة معينة، ذلك لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف هدي القرآن الكريم قط بل مجسد له في حركة الحياة فكراً وشعوراً وعملاً وتطبيقاً وتجسيداً باتفاق أهل القبلة على ذلك.

أمر آخر؛ هو أن العقوبات الحكمية للتشريع الإلهي مذكورة في القرآن الكريم / راجع الفصل: العقوبات في الإسلام / ولا تحتاج لعقوبات جديدة تتفق أو تختلف مع النبي عليه الصلاة والسلام من النص القطعي القرآني، فالنبي لا يزيد عقاباً فوق عذاب الله، قال تعالى: { وما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم } سورة الأنعام ؛ وقال: { فذكر إنما انت مذكر * لست عليهم بمصيطر } سورة الغاشية، فالأمر متروك أولاً وأخيراً لله تعالى في خلقه إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، وهذه النقطة من الأهمية بمكان ومحل تقدير ووقفة لا تجاوز كما ترى فلا يحق ولا يتأتَّى لبشر مهما كان ومها علا مقامه أن يعاقب الناس باسم النبي صلى الله عليه وسلم أو اسم القرآن أو اسم الدين أو اسم الله وينسب لهم فهماً أو نصاً ليس منهم ولا فيهم البتَّة فيلغيه تماماً لأنَّ النص القرآني أثبت وأقوى وغير خاضع للمقارنة مطلقاً كما ذكرنا ذلك مراراً وتكراراً من قبل.

وحدة قياس صحة الحديث من أهل البيت

وهم الآتي ذكرهم بنص الآية المذكورة آنفاً { لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا }:
1 / آبائهن.
2 / أبنائهن.
3 / إخوانهن.
4 / أبناء إخوانهن.
5/ أبناء اخواتهن.
6 / نسائهن ( نساء أبناء أخواتهن).
7 / ملكت أيمانهم ( زوجاتهم).

للنبي عليه السلام اثني عشر امرأة في عصمته ملكات يمينه (موضع مراجعة ليس ههنا موضعها ويفرد لها بحثٌ خاص لاحقاً إن شاء الله)، راجع هذه الأسرة الكريمة بتفريعاتها من الأبناء والتسلسل السابق فإذا وجدنا من رواة الحديث من يتصل بهن أو بهم وضعناه ووضعنا حديثة لمعايير الصحة من الضعف أخذاً أو تركاً؛ ويجب ملاحظة أمر مهم جداً هنا وهو لم يذكر التاريخ الإسلامي الموروث علاقة راوي الحديث المنسوب للجناب النبوي الشريف غير طريق أمنا أم المؤمنين والمؤمنات السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها بما تقر بها عينها وقليل من بقية أهل البيت عليهم السلام؛ فقد وجدت كتاباً ضخماً يحصر كل أحاديث السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها في ألفين ومائتين اثنين وعشرين حديثاً من النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولعمري هنا موضع الشك اليقيني عندي بخطأ النسبة لهما معاً عائشة رضي الله عنها والنبي عليه السلام؛ ذلك؛ لأنَّ النص القرآني قال بعدم التحدث معهن من غير أهل البيت ؛ راجع المصدر السابق سورة الأحزاب آية ٥٣ – ٥٥؛ فمن أين أتى الرواة بكل تلك الأحاديث النبوية من عائشة رضي الله عنها بالذات ؟!.

جانب ثاني هو؛ أين ذكر أنساب الرواة المتصلين بأهل البيت الاثني عشر اتصالاً مباشراً بنص الآية السابقة ( آية 55) حتى يؤخذ عنهم ثقة صحة الحديث فنعتمده أو لا نعتمده ؟!.

في حالة وجود ، أو حالة عدم وجود ذكر الأنساب المتصلة بأهل البيت اتصالاً مباشراً يخضعون جميعهم ورواياتهم لمقياس النص القرآني أولاً ثم المعايير التي حددناها سابقاً ثانياً؛ لنميز الخبيث من الطيب والغث من السمين والصحيح من المعتل والمرجح من المؤكد فنكتب تاريخاً جديداً وحديثاً وجدياً عن النبي عليه الصلاة والسلام بما توفر عندنا في العصر الحديث من معطيات علمية وذهنية ونصية قطعية الثبوت والدلالة لم تتفق لمن هم قبلنا من رواة الأحاديث النبوية، وهذا ما لزم توضيحه وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

وحدة قياس صحة الحديث من الصحابة

هذا المحور مهم للغاية، وتكمن أهميته القصوى بعد خضوعه لجملة ما سبق ذكره آنفاً في الآية الكريمة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) }.

الشاهد في هذه الآية منع ونهي الصحابة رضوان الله عليهم من الاستئناس للحديث مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات فكرة منع نساء النبي التحدث لغير الدائرة السبعية الأسرية سابقة الذكر؛ فمن أين أتت كل تلك الروايات المهولة والمنسوبة للجناب النبوي الشريف بغض النظر عن صحتها من عدمها ؟!.

إذا ذهبت لتقول بأنَّ النبي هو الذي يخاطبهم ولا يخاطبونهم إلَّا في أضيق الحدود قبلنا ذلك بذات الشروط الموضوعية آنفة الذكر ولذات أسباب المنع الجوهرية لأهل البيت وله شخصياً في العلة المعلولة من الآية: { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } وهي النقل المئيف بالغرض الشخصي والمرض القلبي النفسي والجهل بقيمة وأهمية النقل والاقتباس والرواية بقصد أو بدون قصد على العقل الجمعي الإنساني عامَّة والمسلم المحمدي تحديداً سلباً أو إيجاباً.

دعني أفصل الآتي من قاعدة عدم النقل والمنع والنهي عن التحدث مع النبي عليه الصلاة والسلام إلَّا بشروط معينة بمعنى التشكيك فيما روي عنه وعدم الأخذ والعمل به ويعتبر الحديث المروي أو المنقول عنه عليه السلام معلولاً ومجروحاً بموجب الآية الكريمة السابقة كالآتي:

1/ عدم دخول بيت النبي إلَّا بإذن منه.

2/ الغرض من بعد الإذن هو تناول الطعام وإن لم يكونوا في انتظاره، بمعنى ثاني: أن لا يدعوا أي من الصحابة نفسه لتناول وجبة طعام في بيت النبي ما لم تكن تلك الدعوة موجهة من النبي له أو لهم مباشرةً.

3 / فإذا تم الإذن بالدخول فلهم حق تناول الطعام الذي دعوا إليه وان لم تكن هناك دعوة لتناول الطعام فلا داعي للدخول عليه من باب عدم الإحراج لهم ظاهر معنى الآية وباطنها هو عدم نقل الحديث عنه وحاله ومقاله وما إلى ذلك وهو البعد المقصود من المنع والنهي عن دخول بيت النبي وعدم التحدث معه.

4/ إذا طعموا فعليهم مغادرة البيت بأسرع ما يكون لانقضاء الطعام وانتهاء الدعوة.

5/ عليهم الانتشار والتفريق من حيث أتوا بعد تناولهم للطعام فلا يجلسوا إليه طلباً للأنس معه بالحديث ” فإنَّ ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق” سورة الأحزاب ؛ وهو موضع الحجة هنا بالنسبة لي أقَلَّاها إذ المعروف في دعاوي الطعام انشغال الناس بالأكل لا انشغالهم بصاحب الدعوة والعامل النفسي والتلقائي يتوجه نحو صاحب الدعوة للمجاملة والاستئناس بالحديث معه بعد انتهاء الأكل والشرب والفراغ منهما حين يكون صاحب البيت أو صاحب الدعوة منشغلاً بإكرام الضيوف والمدعوين بطبيعة الحال؛ وبعد الانقضاء من الدعوة وتناول الطعام على الضيوف مغادرة البيت بأسرع ما يمكن فلا وقت للحديث ولا للاستئناس؛ فمن أين وجد الصحابة رضوان الله عليهم الوقت الكافي لتجاذب أطراف الحديث مع النبي عليه الصلاة والسلام؛ ومن أين وجد النبي عليه السلام الوقت لمجاملتهم بالحديث معهم؛ وما هو الحديث الذي يمكن أن يكون في هذه اللحظات ويدور بينهما وما هو وقعه وأهميته للضيوف فيما بعد انتهاء الجلسة لينقلوه لغيرهم ممن لم يحضر المأدبة؛ وما هو شكل الحوار إن وجد وكم أخذ من الوقت وما تقييمه ومرتبته ومنزلته هل هو خاص بين النبي وأحد الصحابة أم هو عام بين النبي والصحابة وأين أدب الحديث فيتكلم هو ويسمع البقية أو العكس؛ وكم مرة حدثت هذه الحادثة بمقياس عدد الأحاديث النبوية المنسوبة إليه في هذا الموضع بالذَّات ؛ فإن قلت بورود الأحاديث النبوية في غير موضع البيت واجهتنا ذات الإشكاليات والأسباب والتساؤلات في السفر أو في الحضر وسألناكم السؤال الكبير أين ذهبت خطب النبي صلى الله يوم الجمعة ومتى صلى الجمعة في جماعة؛ وهكذا دواليك ويظل البحث جارياً طلباً للإجابة بلا نهاية.

يجب علينا وضع حد من صحة نسبة الأحاديث النبوية من عدمها بصورة قطعية لنا وللأجيال القادمة وأن نلتزم النص القرآني بما فيه نصَّاً تشريعياً أولاً ثم العرف المجتمعي نصاً تشريعياً ثانياً بحكم الوقت والمتغيرات الحياتية ومعاييرها المختلفة من جيل لآخر ومن وقت لآخر بالرجوع لنص الآية الكريمة: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } سورة الأعراف، تجد صحة ما ذهبنا إليه إن شاء الله.

مما سبق بيانه أخلص للآتي :

1 / وجوب إعادة تعريف المصطلحات الإسلامية الدينية والأحاديث النبوية خاصة باعتبارهما المدخل المباشر لفهم الإسلام اليوم.

2 / وجوب الاعتراف بأنَّ هناك أحاديثاً نبوية من الطريقتين المذكورتين أعلاه ولكنها ليست بهذا الكم الهائل الوارد في الصِحاح العشرة موضع المراجعة والضبط والتحقيق والتدقيق من الموضوع الأساس للعنوان.

3 / وجوب إعادة قراءة الأحاديث النبوية الواردة في الصحاح التاريخية المعروفة المشهورة بين المسلمين اليوم قراءة معاصرة تعمل على فرز وتنقيح وتصحيح كل ما ورد ذكره لأهمية البحث عن الحقيقة الغائبة والفريضة الواجبة.

4 / إصدار كتب بواسطة خبراء ومختصين في دراسة علم الحديث والمصطلحات الفقهية الإسلامية وطرحها على الواقع الحديث المعاصر لتبدأ البشرية عهداً جديداً في تاريخها الإسلامي بعيداً عن العصبية والترهيب الفكري والنفسي والبدني والغلو والتشدد والاحتكار وما أشبه بصورة علمية أكاديمية ونهج تراكمي معرفي كبيرين.

5/ وجوب حذف كل الأخطاء الواردة في الصحاح والمنسوبة للجناب النبوي الشريف وإعادة كتابتها بشكل جديد لفتح آفاق فكرية ذكية وقفزة معرفية كبيرة تتماشى مع متغيرات نمط الحياة اليوم والمستقبلي.

6/ جمع الأحاديث النبوية الملفوظة والمنطوقة والمتواترة فقط في كتاب واحد من الطريقتين المذكورتين آنفاً وإلغاء بقية الصحاح حتى لا تكون هناك شوشرة في إثبات النصوص من جديد وبحيث يصبح الكتاب مركزاً موحداً جامعاً لكل الأحاديث النبوية ونخرج من دائرة “مختلف فيه” أو فيه خلاف وبدل تعدد المصادر من ذات الشاكلة.

7/ حذف كل الأخبار والمناقب والشمائل المحمدية والسيرة النبوية وكل ما يتعلق بالحياة النبوية أثراً وتأثراً في كتب منفصلة عن الكتاب الجامع للأحاديث المختارة والمنتقاة بعناية فائقة بعد إعادة القراءة والكتابة لها بشكلها الجديد.

8 / القاعدة النورانية الأصولية الجديدة التي ينطلق منها المهتمون والمختصون وأصحاب الشأن هي الأصل في إعادة قراءة كتب الحديث بما قلناه عالياً هي الآية الكريمة: { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } سورة الأحزاب؛ باعتبارها ايدلوجية حديثة وأنَّ الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين ورواة الأحاديث لم يدخلوا بيوت النبي عليه الصلاة والسلام إلَّا بعدد أصابع اليد مما يعني قلة نادرة جداً ما هو صحيح وقطعي ومتواتر ويمكن العمل به بعد خضوعه للقياس المذكور عاليه؛ وهذا جوهر فكرة الموضوع الذي أتحدث عنه كما ترى.

9 / الأخبار الواردة من صحبة النبي عليه السلام لأي من زوجاته بعد أن يسهم بينهن للخروج معه إلى الحروب والقتال بعمل ما يسمى بـــــ “القرعة في الاختيار” هي أخبار غير صحيحة ويجب مراجعتها والتأكد منها لسبب نص الآية: {وقرن في بيوتكن} وسبق شرحها مما يغني عن الإعادة ههنا.

10 / النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته حالة خاصة استثنائية من المجتمع البشري قاطبة ولن يعيدها التاريخ مرةً أخرى إلى يوم القيامة، وحالة أخص جداً بالنسبة للعصر الذي عاشوا فيه فيجب الإنتباه والتركيز على هذه الملحوظة المهمة حتى لا يقع المجددون في الدين في ذات الخطأ الذي وقع فيه التقليديون فننتفع من الخطأ التاريخي بتصحيحه والاعتناء به فهذه ثروة معرفية لا تقدر بثمن ويتبناها السواد الأعظم من البشرية المسلمين في كل الحقب التاريخية بلا شك.

https://anbaaexpress.ma/6gbso

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى