
بقلم: عبد العزيز بنعبو
بعد سنوات طويلة من تسلق جبال الفكر، متسلحا بيراع وحزمة أوراق بحجم المعرفة، يجلس إدريس هاني على ربوة الشعر، ويتنفس نسيم الحروف الحالمة بحرقة الأنين المضني الذي أخفاه كل العمر.
السؤال، كيف استطاع هاني أن يحصن صفاء الإبداع في داخله دون مواد حافظة، فالأمر ليس كتابة معلبة جاهزة بل هو ديوان شعر اختار له اسم “أنين الحروف”، والعقيقة ستكون بقدر المولود البكر الذي اعتنت به دار الوطن.
الجواب على السؤال، لا يتأتى بعيدا عن القيام بجولة فيما كتب هذا الرجل من قصائد “أنين الحروف”، التي توزعت بين شتى الصنوف وكانت لها في مضارب الخيال صولة وجولة ولا داعي للتذكير أن هاني يرتبط بالحاضر لذلك كان النبض خطوات تمشي بيننا وتتنفس وتنقل تفاصيل الرعشة الإبداعية دون حذر أو تردد أو تصفية فكل الماء الخارج من النبع نقي صالح للشرب مباشرة.
باختصار، نجد أنفسنا أمام شعر عادي يكتبه شخص غير عادي، ذلك أن زواج المتعة تحقق في قلم إدريس هاني، به وقّع لفائدة العريس والعروس، بين الكلمة الحالمة التي سحرت بغنجها الفكر، والأكيد أننا سنترقب مواليد جدد لهذا الارتباط الذي لم يكن وليد لحظة أو محض صدفة، بل هو في داخل هذا الرجل يعتمل حتى غادر المصباح مثل مارد من الصعب إعادته إليه.
أول ما يثيرك في شعر إدريس هاني، أنه عادي جدا وسلس جدا، ورقيق حد العطب ورومانسي حد الحلم وواقعي حد الكدر من اليوميات، لكن غير العادي هو طراوة الكلمة التي حافظ عليها شاعر هو في الأصل مفكر وكاتب يستعمل قلمه لترويض أحراش المعرفة والجدل.
إذا من العادي إلى الاستثناء، وقبل ذلك فمن يعتبر أن كتابة قصيدة عادية في أيامنا هذه مسألة هينة، فعليه أن يجرب أو يحاول فقط التأمل دون ترجمة ذلك إلى كلمات أو ألوان أو أشكال إبداعية، ليحاول أن يكون صافيا في صبيحة تكدرها أبواق السيارات وإشارات المرور ودخان العوادم وسطوة الرقمي وضجيج النفس الأمارة بالطمع قبل السوء.
هل نقول لإدريس مرحبا بك في قبيلة الشعراء، مع العلم أن القبائل في الثقافة تحيل على تحالفات غير صحية، أم نقول لهاني الحمد لله على سلامتك من رحلة الفكر الشاقة وعودتك إلى الكلمة الجميلة محملا بأحلام لا تشيخ.
للإشارة، إدريس هاني أراد لمجموعته الشعرية أن تجمع أنينه وهمسه ونبضه، فكان أن قال “تأبطت قصائدي حائرا، حذرا”، وقسّم الديوان إلى “غزليات”، ثم “في الوصف أو شعرية المكان”، وكان “الرثاء” أيضا حاضرا، ليختم بالقسم الأخير وهو “في الحماسة”، ببساطة يهدي للقارئ قلبه مغلفا في كتاب من إصدارات دار الوطن، ويمضي..
* كاتب وشاعر مغربي
تعليق واحد