
بقلم: أحمد القاسمي
الكتب على الرّفوف، تعرِض مضامينها عناوينا، ومن حبَّر آلة طبعها، ومن درّ بما عنده فأنفق عليها؛ إذ تمتد اليد وفي حالة استرخاء، واعتياد، وشغف بها، إلى أحدها، فهو كتاب مدرسي باللغة الفرنسية، لتلامذة المستوى الخامس من المرحلة الابتدائية، كان قد صدر في ستينيات القرن العشرين، فتُمرر الصفحات، وتُلفِت النظر أبيات قطعة شِعرية، وفي صمت تُقرأ؛ تُحيل الكلمة صاحبَ تلك اليد إلى التي تليها، وهكذا، فمن كان قد نظم شعرا، قال واصفا بالفرنسية، إحدى سقايات مدينة الرباط العتيقة:
O voyageur, viens: les arcades sont ouvertes,
La fraîcheur règne, sous l’auvent de tuiles vertes.
Un peu de jour fait luire, au flanc mouillé du mur,
La brique rose et la faïence aux tons d’azur
D’où l’eau jaillit en quatre courbes argentines.Pour le repos du pèlerin et du meskine.
Viens t’appuyer à cette vasque de granit
Qu’un toit protège et que tout voyageur bénit.
Tu vas pouvoir laver tes mains, ta face noire,
Sans déranger les pigeons blancs qui viennent boire.Viens, la douceur de ces murmures cristallines
Fait oublier toutes les pierres du chemin.
ما ترجمته بالعربية:
يا أيها المسافر؛ أقبل فالأقواس مُشرّعة،
اَلبرودة تسود؛ تحث كُنّة من قرميد أخضر،
قليل من ضوء النهار يسطع على الجانب المبلل من الجدار،
الآجُر الوردي، والخزف المزخرف بصوت اللاّزورد،
حيث الماء المتدفق بأربعة مُنحنيات فِضّية،
لأجل راحة الحاجّ والمسكين،
تعالى لتتكئ على هذا الحوض من رخام،
غير سَقف يحميه، وكل مسافر يشكُر،
تستطيع أن تغسل يديك ووجهك الأغبر،
دون أن تُزعج طيور القُمّريّ القادمة لتشرب،
أقْبِل فلُيُونة بِلّوْرات الماء الـمُجَلجَلة،
تُنسي جميع حَصى الطريق.
وتقطع عيناه بياض جزء من الصفحة؛ صاحب تلك اليد لتقف عند كاتبتها؛ فهي الشاعرة والقاصة والروائية الفرنسية الأصل (ماري بارير أفر Marie Barrére-Affre)؛ فالشعر إذن جميل، وأصدق من هذا فهو أجمل ما ألّفته من كلام شعري؛ وهو من ديوانها المسمى بــِـــ (Deux rives au soleil)؛ لأن القارئ منا نحن أبناء هذا الوطن (المغرب) المتعدد الثقافات؛ لهذه الأبيات، وعلى قِلتها؛ يذهب به خياله إلى ما تريد أن تنقله هذه الشاعرة؛ وقد فطن لأشياء كان يمر بها، ولا ينتبه إلى ما توحي إليه؛ ليلتفت إلى ما أبدعته يد الصانع التقليدي المغربي عبر العصور التاريخية؛ مُتغلغلا إلى ما كان يدور في خَلداته وما يجول في خاطره، وما ينبغي أن يعطي لذلك القادم من مظهر فني؛ يُشعره بسعادة لا تضاهيها سعادة قد يجدها في مكان آخر.
فما تثير كُنة القرميد بلونها الأخضر البريقي التي تعلو إحدى سقايات الرباط العتيقة، وما يتركه من آثار نفسية ذلك الخزف بلمعانه المزخرف الذي يعلوه قوس، وتلك الأنابيب المشكّلة من النحاس الأصفر التي تَدْفُق الماء إلى الخارج ببريق الفضة، والمانحة لطعم المعدن للمظة الضمآن؛ ممزوجا بماء بارد عذب؟
أليس هذا أبهاء قصر؛ تصُبّ نوافيره الماء، وتشِعّ حيطانُه المزلجة ببرودة، وتبُثّ سُرَره الوثيرة حفاوة لذلك القادم من بعيد؟ وقد تَعثُر خطواتُه بحجر الطريق، وأتعب قدميه حصى المسارب الخشن؛ الذي ألهبته أشعة شمس تلك البلاد؛ وقت الظهيرة.
فمن تكون هذه الشاعرة التي صورت نظما إحدى سقايات مدينة (الرباط) القديمة؛ بوعي ينمّ على أن صدى موروث تاريخي يتردد في ذهنها؟ فالنافورات فن معماري أبدعته حضارات البحر الأبيض المتوسط، وما الذي استقدمها إلى بلاد المغرب لتُمتّعنا بشعرها التصويري ذاك؟
في بيت من بيوت أحد أحياء مدينة (بيربيكَنان Perpignan)؛ التي توجد في فرنسا؛ التي تنِزّ حيطانها طُحلبا في فصل الجبال المطير، وتُلهب حيطانها أشعة شمس صيف البحر الأبيض المتوسط، والواقعة على السفوح الشرقية الشميسة لجبال سلسلة (البيريني Pyrénées)؛ في أقصى الحنوب الشرقي لفرنسا؛ كان يقيم زوجان؛ لا نعرف إلا إسم الرجل هو (إيدموند أفر)؛ رُزقا بآبنة في 31 يوليوز 1885م؛ أسماها (ماري؛ Marie)، ولما بلغت سبعة عشر سنة من عمرها توفيت والدتها، وبعد أحد عشر عاما مات أبوها؛ أي في سنة 1913م؛ وهي في سن الثمانية والعشرين عاما. ولتتعلم الكتابة والقراءة، ثم تزيد من ثقافتها المعرفية أُلحقت بمدرسة (القديسة ماري) الداخلية ببيربيكنام؛ ولعل التعليم الديني المتأثر بتعاليم الدين المسيحي هو الذي غَلَب عليها.
وإلى الجنوب الغربي من مسقط رأسها، وعلى بعد مائة كيلومتر؛ في مدينة (ثور Thuir)؛ ولد رجل إسمه (راول بارير؛ Raoul Barrére)؛ في 17 فبراير 1890م؛ كان هو الذي طلب يدها؛ فزُفّت إليه في 9 يناير 1914م، وفي مارس من نفس السنة؛ أطلقت سفينة كانا قد استقلاها الزوجان الشابان؛ من مزمارها البخاري صفيرا يُعلن نهاية سفرهما البحري، وأبطأت من إبحارها لتُلقي بمرساتها بميناء (الدارالبيضاء) ببلاد المغرب؛ التي أُرغم سلطانها على التوقيع على معاهدة الحماية في مارس سنة 1912م، وكان ممثل فرنسا في مراسيم التوقيع الجنرال (أوجين لويس جورج رونو؛ 1857م- 1941م؛ Eugéne Louis Georges Regnault)؛ كان قد توجه إلى القصر الملكي بفاس؛ مُعتليا صهوة جواده؛ بنياشينه وكَتْفِياته المرهبة، وقد اصطف على يمينه وشماله خيالة فرنسا بأبهى الألبسة العسكرية.
أنبالغ أو ننطق عن هوى النفس، أو نفتري أو نقول ما لم نعلم؟ فالنفس البشرية واحدة، وفيما تقاطر على السيدة (بارير)؛ من أسئلة حول تلك البلاد؛ التي ربما قرأت عنها، وسمعت لمن تحدث عنها، وما يخالجها من شعور؛ وهي تطأ بقدميها أرضها التي نسجت عنها في الخيال؛ عالما هو أقرب إلى ذلك الذي تجري فيه حكايات ألف ليلة وليلة؛ فما أمتع قراء بلدان الغرب هو ما تُخيّل من عجائبية الشرق، وقد حلت بالمغرب الذي هو امتداد لتلك الجهة من الكرة الأرضية؛ فأُلهمت بما عليها أن تكتب لأبناء وطنها؛ المتلهفين لمعرفة ما يسود في تلك المجتمعات ذات الأصل الضارب في الشرق العربي، وفي مناطق ما رواء الصحراء الكبرى، وفي ذات المكان المحلي؛ فهي فرصة لم تُؤت لغيرها، وهذا ما تعكسه عناوين رواياتها وقصصها وأشعارها، وهذه عناوبن البعض منها: Lalla Aicha, Le balcon sur le désert, Poussiéres dans le Chergui, Zouina la petite Sultane, La koubba des sultanes, Au service du roi, L’aviateur de L’atlas, Timimmet Ksourienne… إلخ.
أنقول أنها كانت أقرب إلى كاتبة مُستطلعة؟
قد نكون على صواب إذا عرفنا أنها كانت تكتب ما تراه وما تقوم به، وتحرر مذكرات أسفارها، وما خططته ريشتُها من رسوم جُمعت في مجلد؛ طُبِع في سنة 1920م؛ تحت عنوان (القَصبة من بين الخيام؛ La Kasba parmi les tentes).
تنقلت في مغرب البلاد ووسطها، وجنوبها؛ فهي في مدينة (برشيد)، وفي مدينة (قصبة تادلة)؛ ثم قاطنة في وادي أم الربيع، وفي مدينة (مكناس)، ولعل أمور عائلية أبوية؛ اضطرت الزوجين إلى مغادرة المغرب في عام 1920م؛ فهي إقامة إلى حين؛ في ضيعة اشتراها في شمال منطقة (كاستر؛ Castres)، لكنهما سرعان ما باعاها، وعادا إلى المغرب؛ لأن صعوبات اعترضتهما في بلدهما الأصلي فرنسا.
أهي روح المغامرة لإثبات الذات، والاستسلام للكبرياء، أو تحقيق حلم السعادة المثلى التي تراود الإنسان من وقت لآخر؟ في سنة 1927م سكنا بمحيط ساحة فرنسا بمدينة (سطات)؛ كانت كاتبة ومُسعفة مسيحية؛ تقوم بما توجبه ديانتها؛ فقد كانت كما يُذكر مُؤمنة، وفي مدينة (تامليلت) على السفح الجنوبي لجبال الأطلس الكبير؛ بنى هذان الزوجان الباحثان عن جنة عَدْنٍ بيتا أعطياه إسم (بيت الورود؛ La maison des fleures)، وأسسا مزرعة صغيرة ناجحة. كان بَعلُها (راوول) يعمل بتعاونية إنتاج زيت الزيتون نهارا، وينكفئ ليلا؛ يكتب على آلة كاتبة ما خطته زوجته (ماري) بقلمها، ولما قامت الحرب العالمية الثانية انسحبا إلى مدينة (الصويرة)؛ ليسكنا في منزل متواضع كان يمتلكاه؛ يحمل رقم 4 بزنقة (الحلفاء). بعد انتهاء الحرب عادا إلى مدينة )تامليلت(، واستمرت حياتهما بدون ما يخدش صفوها؛ حتى كان يوم 13 ماي 1955م؛ فماذا حدث؟ لقد توفي (راوول) بمدينة )الصويرة( ودُفن بها. بعد سنة أُعلن عن استقلال المغرب؛ فما على موظفي إدارة الحماية من الفرنسيين إلا أن يغادروا البلاد المحررة، ويدعوها تحيا أفراحها؛ وزوج ابنتها (ماريرون؛ Maryronne) أحد هؤلاء؛ فغادرا هما أيضا بلاد المغرب، ولم يعد للأرملة (ماري) ما يدعها مقيمة في الأرض التي منحتها أمكنة تخييلية لأبطال، وشخصيات قصصها ورواياتها؛ ففي شهر شتنبر، وتحت قطرات أمطار فصل الشتاء القادم الأولى، ورائحة تراب أطفأت سخونته تلك الأمطار؛ تسربت إلى جَعبَتي أنفها؛ أخذت طريق العودة إلى وطنها الأصلي؛ مُتعقبة ابنتها وزوجها؛ إلى مدينة (سانت سيرز؛ Saint Ciers Dabz (Gronde))، وإلى (توس اونطر فال؛ Thués-entre valls) في وادي (طيط؛ Têt)، ثم توجهت إلى (كوليون؛ Collionne)؛ بشرق جبال (البرانيس؛ Pyrénées)، وفي هذه المدينة وافتها المنية في 23 يوليوز 1963م؛ عن عمر يناهز ثمانين عاما، ودُفنت في مسقط رأسها بيربيكنان.
فقد فرق الموت بين الزوجين بعد واحد وأربعين عاما؛ أمضاياها في بلاد غير وطنهما، وباعدت المسافة الجغرافية بينهما؛ فالزوج الهالك يرقد في تربة غير مدينة (ثور؛ Thuir) التي رأى فيها النور، وهي ترقد بمدينة ميلادها؛ تُرى كم كابدت (ماري)؛ من أحزان المصاب، والبعد؛ في أخريات أيامها؛ وقد تركت شريك حياتها هنالك بعيدا يرقُد رقدته الأبدية؟
وما يجعل هذه الكاتبة حاضرة في ذاكرة من له نظرة إنسانية؛ هو قراءة كتبها؛ والتي كما في علم كاتب هذه السطور نادرة الوجود، وقد بيعت بعض النسخ الأصلية؛ بمزاد بيع التحف بمدينة )الدارالبيضاء( منذ زمن قريب جدا.
وما هذه الورقة إلا محاولة تعريف بهذه الكاتبة إلى القارئ، وهي واحدة من العشرات من الكُتاب الغربيين الذين وفدوا إلى بلاد المغرب المطلة أراضيه على بحرين، وتستمد ثقافتها العميقة؛ من ذلك الامتداد الواسع للشرق العربي وللعُمق القاري لإفريقيا السوداء، وتُيِّموا بطبيعتها المتنوعة العناصر.



