آراءسياسة

سوريا وتركيا وآفاق ما بعد الزلزال

ما أكثر الاستشرافات التي تقدحها الرغبة والتمني، كتلك الأحداث التي تجري في الشرق الأوسط. الفرق بين التحليل السياسي على أسسه ومقتضياته في علم السياسة وبين وظيفة التهريج كبير جدا، لكنه مقبول في صحراء الميديا العربية، حيث ظاهرة شراء الذمم والاصطفافات والسمسرة.

لا حدود للعصبية حتى لما يتعلق الأمر بأحداث جديرة بأن تلفتنا إلى الأبعاد الإنسانية، والتخلي عن الحقد في تدبير المعنى وتحليل السياسات.

خلال العشرية الأخيرة لم نقف على تحليلات حقيقية بخصوص ما يجري في المنطقة، منذ اندلاع الأزمة السورية. لا أحد ممن تنبأ بسقوط النظام السوري في غضون أسابيع، يملك الجرأة ان يحدثنا عن بؤس المقاربة الاستشرافية في تحليل السياسات بالتمني. اليوم، وتماما كما هو الزلزال، تشهد الأحداث تطورات مركبة، يصعب استشرافها بالطريقة التي أظهرتها سنوات الحماقة العربية.

ونستطيع أن نجزم، نحن الذين اثبتنا بالتحليل الكافي منذ 2011، بأن الهمروجة الإعلامية التي عرفها العالم العربي ضد سوريا ، ساهمت في تراجع ملكة الاستشراف والحدس والذكاء، حيث سادت العصبية والانفعالات، التي اعتبرنا منذ فترة أن ارتداداتها سيكون لها وقع خطير على المنطقة. لم تسقط سوريا، ولكن التهريج استمر بشكل مرضي.

اليوم، واجهت سوريا العربية زلزالا قويا زاد من نكبة شعب تعرض للعدوان والعقوبات. والأمر نفسه بالنسبة لتركيا التي تعرضت مناطق كثيرة في جنوبها لزلزال عنيف. هل يا ترى، يمكن للزلزال أن يخفف من هذا الانسداد السياسي؟ هل ستدرك تركيا حجم التحدي، بعد أن تدرك بأنها ستخسر كل أحلامها، قبل أن تجد نفسها في مواجهة تحدي ارتدادات الأزمة السورية نفسها؟

ساهم الزلزال في اختراق الموقف الأممي بقرار فتح المجال للمساعدات إلى المناطق المنكوبة في سوريا، وسيتوج بزيارة لاوتيريش الى تلك المناطق، في الوقت الذي تم تعليق قانون قيصر بصورة مؤقتة، كما تقاطرت على دمشق مساعدات من بلدان عربية ومن العالم الإسلامي والعالم.

وكانت تركيا قد عبرت عبر مسؤوليتها عن رغبتها في لقاء وشيك مع القيادة السورية، كمقدمة لايجاد مخرج سياسي للأزمة السورية. وقد يكون للنكبة دور كبير في زحزحة الحاجز الكبير الذي أخر هذا اللقاء، الذي ترغب فيه تركيا ولا تمانع فيه سوريا، شريطة أن يتم الالتزام بالاتفاق، وعدم الاخلال به كما جرى عشية سوتشي. ومع فتح عدد من الدول العربية لسفاراتها في دمشق، بدأ الحديث عن رهانات مختلفة وأفق للحل السياسي.

تقييم علاقة النظام السوري بشعبه من قبل دول عربية ليست عريقة في الديمقراطية أو من قبل سماسرة الاعلام المضلل، وبروز أشكال من القراءات السياسية للمشهد على مقتضى أساليب البروباغاندا، كان سببا في مضاعفة معاناة السوريين، الذين وجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة أزمات مركبة، بسبب العقوبات والحصار الذي فرضته الجهات التي طالما قدمت نفسها صديقة للشعب السوري.

من كل المبادرات التي انطلقت للتضامن ومساندة الشعب السوري، لم نسمع بقوافل مستعدات من المعارضة، بقدر ما لا حظنا تشويشا على الدولة السورية في تيسير مرور قوافل المساعدات الشعب المنكوب في مناطق الزلزال.

بعض المحللين العاجزين عن قراءة المشهد خارج التمني والدعاية، يقللون من أهمية إيقاف العمل المؤقت بقانون قيصر، لأنهم يخشون أي تطور في اتجاه الانفراج داخل سوريا. لقد أصبح الحقد عنوان مرحلة، بل يمكن اعتبار الحقد نموذجا لتفسير كل ما يجري اليوم في سوريا، ومحاولة تصغير شأن تحالفات سوريا بناء على الرؤية الاختزالية نفسها.

كشف الزلزال اذن عمن هم أصدقاء الشعب السوري الحقيقيين. إنهم أولئك الذين خرقوا الحصار، واقاموا جسورا إلى المناطق المنكوبة، وساعدوا سوريا على احتواء الإرهاب، وحالوا دون التدخل والاستفراد بالبلاد. ففي هذه المعركة التي كشفت عن عجزها عن تغيير قواعد الاشتباك بصورة  حاسمة، كان لا بد من خلق نخبة التضليل وتصريف الحقد الديماغوجي، فظهرت أكبر موجة من سماسرة تحريف الوقائع والتشويش على الحل السياسي في سوريا، برسم سيناريوهات مزيفة.

إنه إعلام الحرب، وهذا طبيعي، لكنه صدق نفسه وأصبح ضحية سيناريوهاته التي لم يستطع الخروج منها حتى في زمن الزلازل.

الزلزال فرصة لتقويم السياسات، لكن ماذا لو كان الحقد هو الباراديم الذي يفسر بؤس الاستشراف، ومهزلة تحليل الوقائع بالعدمية والتمني.

https://anbaaexpress.ma/ev9w2

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى