آراءسياسة

العلاقات المغربية الجزائرية.. الستاتيكا السياسية

لو قلت لإنسان في الستينات من القرن الماضي، أنه بإمكانك أن تتحدث مع من شئت، من أي مكان متواجد فيه لاعتبرك مريضا نفسيا أو نبي مسلحا إن كان يثق فيك.

العالم يتغير وفق العوائق التي تجدها الإنسانية لفهم الطبيعة و تجاوز ما يعترضها، فتقوم قطائع إبيستمولوجية تقطع مع الماضي، و تجيب على أسئلة الحاضر، الإنسانية وصلت إلى المنهج العلمي من خلال صراع الانسان مع الطبيعة من أجل فهم ظواهرها و التحكم فيها.

الأديان تنادي بالتجديد و تتناول فقه النوازل و المستجدات مما لم يكن في عهد الرسول، الإنسان بطبعه مع تقدمه في السن يكتسب الادراك و العمل بالعقل و لهذا الحكمة الربانية في إنزال الوحي على نبيه في الأربعينات من العمر دون قبلها تستدعي الوقوف.

الفيلسوف اليوناني هيروقليطس قال قولة حكيمة هي أنه لا يمكن أن نسبح في النهر مرتين، لأن ماؤه يتحرك و يتجدد.

إن شئنا أن نستحضر الأمثلة فالمجال لا يتسع، لكن كل هذا ممنوع و لا يؤمن به جينرالات الجزائر، نظام ستاتيكي في وظيفيته و في أساليب عمله و في تفكيره و سياساته و نمط إشتغاله، نظام يأبى و يخاف من التغيير و لديه رهاب مرضي من التجديد.

نظام يرى أن الستاتيكا هي ضمان إستمراره هو و ينسى أن هناك شعب بفعل التلاقح و التثاقف و المثاقفة لديه تماس حضاري فكري سياسي مع العالم ككل، شعب يرى أن سياسة فتح الفم عند ملء البطن و غلقه في ما عداه غير مجدية و أن هذا ينطبق على الأكساب في علم الحيوان و لا يليق بالانسان الذي يرى أنه ليس بالخبز وحده يعيش الانسان.

إن النظام الجزائري نظام مغلق يصعب وضعه في مختبرات التشريح في العلوم السياسية، فهو الذي يصلي بالعكس وراء مقولة ماركس، “لو كان للبورجوازية سلاح واحد و أوحد لاستطاعت البروليتاريا أن تجد له الترياق”.

هذا النظام يخاف التجديد و يحارب التغيير و التغير الاجتماعي الحاصل داخليا و خارجيا، فإذا شئنا أن نضعه في موقع إيديولوجي فلن تجد نظريات سياسية تؤسس لمنهجه في الحكم،  هو يدعي الإشتراكية لكنه بعيد كل البعد عنها، و باستعمالها جعل الشعب الجزائري فاقد للهوية، أي انه يختزل الإشتراكية في تحكم الدولة في مقاليد التسيير و سب الاخونجية و معاداة الدين مما جعله يربي الشعب الجزائري على حرية إرتكاب جميع المعاصي و هذا ما نلاحظه، حيث تلاحق الجزائريين مجموعة من الصفات القدحية التي يعتبرونها هم ثورة و تربية، في حين أنها جعلتهم في مرمى الانتحار الأخلاقي كالسرقة و الكذب و الانتهازية و النصب و الاحتيال و الغذر و ما إلى ذلك، مما يعتبره أزلام النظام الجزائري سلوكات تدخل في باب القيم المكتسبة.

لقد ضرب النظام الجزائري القيم الأمازيغية و الإسلامية و الشمال إفريقية في مقتل، و أدى هذا إلى وصوله هو و أزلامه الى ما يسميه علماء الاجتماع السياسي بالتيه و إنفصام الشخصية و الاغراق في التموقع حول الذات.

لذلك نلاحظ أن الجزائريين عندما يتحدثون عن بلادهم يبكون الدموع و عندما يهجرونها يبكون فرحا بإنعتاقهم من واقع موبوء في بلاد غنية ممتدة الأطراف عاشر مساحة في العالم و بثروات طبيعية لا تعد و لا تحصى.

كل هذا و نرى الشيوخ و النساء و الرجال و الأطفال يموتون غرقا في البحر هربا من واقع جعله الحكم الحكم العسكري مريرا غير مطاق.

الشعب الجزائري ليس هو وحده ضحية نظامه بل شعوب المغرب الكبير كلها، بإسهامه في تضخيم الذات لدى الجزائريين، و بإسهامه في نفي الآخر سواء شعبه أو شعوب المنطقة، و بعمله لفرض هيمنته داخليا و إقليميا إنما يعمل على الهدم و ليس البناء لفقدانه أدنى إعتراف داخلي و لفقدانه لحس بناء المغرب الكبير كما خطط له المقاومون المغاربيين، و الأهم من ذلك لاجتهاده في وظيفيته كنظام عميل لفرنسا و للمتدخلين الخارجيين تحت الطلب، تأدية لمهمته التاريخية و لبقاءه في الحكم.

إذا رجعنا إلى المغرب فلا داعي لاستذكار مواقف الملوك المغاربة و خصوصا محمد الخامس و الحسن الثاني الذين عملوا كل ما في وسعهم من أجل دعم الجزائر قبل الاستقلال و بعدها، و قد ذكرنا ذلك في الأجزاء السابقة.

بل إن هذه السياسة و هذه التربية و هذا الانشغال هو ما يؤسس و ينبني عليه حكم الملك الحالي محمد السادس ملك البلاد الحالي، محمد السادس لا شك و لا ريب أنه يمتلك فلسفة في الحكم جد متقدمة، و قد ناقشت ذلك مع متنورين جزائريين في مواقع التواصل الإجتماعي و أغلبهم يعترف بذلك.

فلسفة محمد السادس في الحكم هي دعم و تقوية و قطيعة إبيستيمولوجية مع الماضي، و القطيعة ليست شيئا سلبيا بل هي تطوير و تجاوز لما هو كائن بما في ذلك العلاقة مع الجزائر، فلا أحد وجب عليه الشك في نواياه الحسنة من خلال خطاباته تجاه الجزائر، لسببين مهمين إثنين:

أولهما، أنه قائد دولة، لديه رغبة في تنمية الإقتصاد و المجتمع، وقد بين من خلال تجربة حكمه أنه رجل إقتصاد بكل معنى الكلمة، نحن أبناء السبعينات عندما كنا نقرأ الجغرافيا في الثانوي كنا نغبط دولا و نعترف أنها متقدمة لأنها تمتلك صناعة السيارات.

و جاء الوقت الذي رأينا فيه المغرب رغم انه كان حلما لنا أنه قد إحتل المراتب المشرفة عالميا في صناعة السيارات و الطائرات و غيرها،  هو صاحب مبدأ رابح رابح في علاقته مع الدول، و إستطاع أن يغير المغرب رأسا على عقب في ظرف عشر سنوات.

ثانيهما، يعني من كل هذا أنه يرى أن مد علاقات مع الجزائر أساسها الاحترام و الود والتقدير، هو مدخل لدعم منهجه الاقتصادي و تنمية الاقتصاد الوطني المغربي و المغاربي، عكس ما يريده حكام الجزائر، من زرع بوادر الحرب والتوترات، حتى يعطوا للعالم، أن منطقة المغرب الكبير غير آمنة، و بالتالي غير قابلة لاستقبال الاستثمارات الأجنبية، لأنهم يعتبرون النفط و الغاز كاف لسد افواه الجزائريين، و هذا ما بين التاريخ أنه رهان خاطىء، فلا هم اكتسبوا الشارع الجزائري و لا هم منعوا تدفق الاستثمارات للمغرب.

هم يغرقون بلادهم في كل يوم و حين، و المغرب يتقدم خطوات إلى الأمام في جميع المجالات في كل لحظة، هذا هو الفرق بين من لديه رؤية للعمل و برنامج قابل للتطبيق و الشعوب المغاربية متحمسة له، و بين من مازال فكره و سلوكه ممتد إلى الفكر البومدياني العسكري.

أدوات عمل العسكر كأدوات عمل الشيعة حاليا، مازالوا يبحثون عن من هو أحق بالخلافة هل علي رضي الله عنه أو أبو بكر أو عمر أو عثمان رضوان الله عليهم، مازالوا رهائن لمعضلة ممتدة منذ أربعة عشر قرنا بالنسبة الشيعة، ولمشكلة ممتدة منذ ستينات القرن الماضي بالنسبة العسكر الجزائر.

إنهم نظام متحجر متكلس لا سبيل للإبداع فيه و لا سبيل للاجيال اللاحقة التي هزت بالملايين شعار ، “مدنية ماشي عسكرية و يسقط حكم العسكر” وفي التموقع في مناصب القرار فيه، نظام يحذر شعبه بتفوق الجزائر و قوته لكنه في سياساته أوصل البلاد إلى حافة الإنهيار، و قريبا ستسمعون نتيجة مفادها، لقد أتيحت لشعب المغرب الأوسط خلق دولة لأول مرة في تاريخه، لكنه فشل في إستغلال تلك الفرصة، سأرجع مستقبلا لأشرح مغزى هذا و دلالته و عقلانية هذا الطرح.

https://anbaaexpress.ma/2ngr0

علي بن الطالب

مناضل نقابي و جمعوي سابق و مهتم بالشان الثقافي و السياسي و العلاقات المغربية الجزائرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى