آراءثقافة

من أجل أنطولوجيا تجاوزية

من تأثيل الكينونة إلى خصوبة حدس الوجود

يداهمني سؤال الجدوى، وله خيط رفيع بسؤال الكينونة، ما كان لهذا السؤال أن يكون ملحّا لولا صلته بوضعية الكينونة، وهو شعور لا يشاركني فيه أي كائن يوجد من دون وعي بوجوده، فإن قلت ما مدى حقيقة هذا الحكم؟ قلت: إنّه تماما كحدس الكوجيطو، من ذا يا ترى له المصلحة في أن يضلّلني؟ الوجود نفسه يلحّ عليّ بسؤال الجدوى، لأنّ الوجود معطى للوعي، يطلب في خدره المحجوب ومضات انكشاف، إنها متعة كائن مع وجوده وفي وجوده، فإن أخطأ الوعي بوجوده تحوّل إلى قلق، وضحالة، لقد وُجد الكائن ليسعد بوجوده، ولا يسعد بوجوده إن أخطأ الوعي به.

والوعي بالوجود ليس بالضرورة انكشاف عارم، بل يكفي همسه الباطن، اختفاءه، لأنّه كأنطولوجيا غير معطى لوعي غير آبه بالوجود. بالوعي فقط نخلق شروط تأسيس هذا الفهم، وإن بدا غير مكتمل، إلاّ أنّه القلق المفضي للمعرفة، والمعرفة الكاشفة عن الوجود.

كم أشعر بالأصالة والحرية اللاّزمة التي بها فقط وفقط أحدس المعنى الرفيع لتجربة الوجود، حين لا آخذ بعين الاعتبار المنعطف الهيدغيري ولا حتى الصدرائي من قبل، لأنّ سؤال الوجود موجّه للحدس، وكل بحسبه في مراتب الحدس والكينونة.

ومن هذه الرحابة أوثر أن أمارس التفكير في الوجود، دون إهمال تاريخ أفكار الكينونة.

وقبل ذلك لا بدّ من إتمام القول حول سؤال الجدوى. لا أدري كلّما شُلّت إرادتي بفعل ضغط سؤال الجدوى، كلما وجدت الخلاص في سؤال الوجود.

إنّ الوجود ليس كينونة إلاّ من حيث هو معرفة أيضا، ومن حيث هو كذلك شعور غامر يجيب عن سؤال الجدوى، لأنّ ما يقابل الوجود ليس هو العدم، بل ما يقدم نفسه بديلا عنه في الوجود أيضا، أعني العبث.

لم تكن عبثية ألبير كامو معرفة بالوجود، بل فشلا لا أدريّا انتهى إلى البديل الأيسر من كلّ البدائل الممكنة. ومع ذلك فهي دالّة على بؤس الوعي الزائف بالكينونة، إدانة معلنة لتاريخ من الانسداد.

هذا الكائن البشري الموجود هناك، الدازاين بتعبير هيدغر، يتطلّب تفاعلا أقصى في المغزى الذي أراد هيدغر للموجود في العالم.

هنا لا بأس بالعودة إلى هيدغر لتجاوزه؛ فالعالم الهيدغيري حيث قُذف بالكائن أو لنقل حيث حُشر الكائن، هو عالم خاص، مؤلّف من كل ما ينتجه الإنسان حول وجوده من معنى، هو بيئة فينومينولوجية للكائن الشّاخص وجودا هناك. هل يتعلق الأمر بوجود هو في حاق الحقيقة لا يتوفّر على نومينا، بل هو معطى ظاهراتي فحسب؟ لا زال كانط كثيف الحضور لدى الكانطيين الجدد ومن سُلالتهم انحدر هيدغر، حسنا، نحن إزاء وجود ذهني في نهاية المطاف يشكل البيئة الموضوعية لقيام معرفة بكيفية ومرتبة وجود كائن باحث عن أنطولوجياه في خضمّ البدائل التي فرضتها التّموقُلات الميتافيزقية.

هل يا ترى، حتما وجب التشقيق والتأثيل مفهوميا، لخرق جمود الميتافيزقا والبحث عن أصالة الوجود في الأصول الهيلينية، وكأنّ تاريخ الوجود بدأ مع ميلاد الكاطيغورياس اليوناني، وليس تاريخ حدس إن أهملنا ما قبل تاريخ تموقُله، فلن يكون من الضروري إهمال تعيّنه في تجربة الأزمنة الحديثة.

ليس الوجود الذهني ابتداء من الآن له مقابل في وجود واقعي، كما لو أنّه معطى معرفي يتوقّف على النّسق، وليس معطى للحدس.

فما يبدو وجودا واقعيا لدينا، هو ذهني ما دام أنّه يحاول إخفاء دور الحدس، وجود واقع تحت سيطرة النظام المعرفي، وجود يوجد بعد المعرفة، وجود مسبوق بنحو ما من الوجود المتخيّل.

إزداد سؤال الجدوى سحرا في الأزمنة الحدثية، فلا زال تتحلّل وتتفكّك حتى أعلنت عصر التجاوز وما بعد الحداثة، إمعانا في البحث عن بديل أيسر لسؤال الوجود، تمّ تصريفه في عبثيات تفكيكية، لم تتجاوز هيدغر الذي يبدو أكثر صرامة، بل كنا أمام حالة فشل تقودنا باستمرار إلى الحلّ العبثي للوجود.

في نسيان الوجود الهيدغيري انتفى سؤال اليقين والوجود المطمئن، كما في تأثيل الكينونة في المعجم الإغريقي، وهو ضرب من الإلتزام الأصولي فضلا عن أنّه تخطّي لعبقرية الحدس، فمن هاهنا وفي كلّ الأزمة وخارج كل اللغات يمكن إعادة تأصيل الوجود.

وهو تأصيل يُراد به هنا إعادة الشعور بالوجود، وإلاّ فالمعضلة تبدأ كلما بدأ الوجود يرتهن للميتافيزقا البديلة، والهيدغرية على خصوبتها وسائر التفافاتها هي ضرب من الميتافيزقا الجديدة.

إنّ أصالة الوجود هنا، ليست ما يقابل اعتبارية الماهية فحسب، بل الأصالة تعني أن لا مجال للبحث عن أصالة يتأصّل بها الوجود، لا سيما وأنّ أصالة الوجود لا يمكن أن تحيط بها المقولات الاعتبارية، بل تكون دالّة على مدخلها فحسب، وأمّا ما يحدث داخل المدخل، فهناك يوجد مفتاح الحدس.

هل كينونة الكائن هناك غير مكتملة لأنّها باتت مسؤولية الكائن نفسه في إعادت تشكيلها، أم لأنّها كينونة فائقة ليس مجرد الوعي بها هو المائز الذي يمنحها القوام الأنطولوجي الحقيقي؟ هل لنا أن نُسائل هيدغر في كل الأسئلة التي تراءت له؟ هذه أسئلة مشروعة، ولم يفعل هيدغر إلاّ أن جعل التفكير فيها ممكنا.

تقتضي الميتافيزقا البديلة التي من شأنها أن تستعيد التفكير الأكثر نجاعة للوجود، منح الأنطولوجيا زخما يفوق وضعية اللّغة، وإن كنّا لا نحسن أن نفكّر إلاّ بها. لكن اللغة تضلّلنا أيضا، وتقوّض خصوبة الحدس، وترهننا لدياليكتيك الوجود الحرفي والإسمي والمجازات التي بها نحيا أو بها يموت المعنى.

الحدس لا يخطئ، وهو عصيّ على المُغالطة، غير أنّ اللغة تتكفّل بهذه المهمّة. علينا أن نتحرر من التأثيل فيما هو موضوع حدس، لأنّ الوجود أقدم وأقوى وأخصب من اللّغة.

كنت ولا زلت أرى أنّ اللغة تفقد إمكاناتها كلّها خارج الحدس والصيرورة التي يغمر بهما الوجود أنحاءه. بهذا يكمن الأصيل في صيرورة تفرضها خصوبة الوجود.

فأنحاء الوجود أوسع من أنحاء اللغة، هذه الأخيرة هي تجلّي للنحو الأدنى من الوجود، لأنّها غير قادرة على التعبير عن أقصاه، فثمة آماد منه لا تعبّر عنها اللغة.

إذا أدركت هذه النكتة، فلا غرو أنّك ستستطيع، أن تنصت إلى أغوار الوجود وأنحائه في أنين المتحيرين في أنحاء وجودهم، العاجزون من غير الأنين عن التعبير عن شوق الانوجاد بأنحاء مزيدة من مراتب الوجود الذي يدركه الحدس بلا مُلاوغة.

تخرج اللغة كهذيان عن السيطرة، وتجد مبتغاها في الأورغانون والميتافيزقا، في تنكّر للحدس أو تناسي للشعور، تصبح المعرفة فقط مرتهنة للظهور، لأنّ الأورغانون لا يسمي عجزه عن استقراء ما تتحقق معرفته بالاحتجاب، عجزا، بل عدما، ومن هنا يبدأ التأسيس للعدمية التي ينتجها الخذلان التاريخي للغة الوجود الخارجة عن إلحاحية الفهم الآني لا المؤجّل، الظاهر لا الباطن المتداني لا المتعالي.

اختزلت الميتافيزقا – وهي في هذا مدينة للكاطيغورياس الهيليني- المعرفة في جدل معياري، وتأمّل في المتاح دون اللاّمفكّر، استهتار تاريخي بالباطن، أي المعرفة المشروطة بالشجاعة من أجل التجاوز الذي يفرضه اللاّمفكّر، أي الباطن بوصفه استفزازا يربك نظام اللغة والمقولة والعادات الفكرية المؤسسة للجمود. لازال سؤال الوجود متحيّرا، عاجزا عن تحقيق تقدّم أنطولوجي، وحده يحميه من تحدّي التّقنية وجوهرها الذي كما أوضح هيدغر هو ما يعنينا في سؤال الأنطولوجيا.

لازال العالم لا يشعر بجدوى هذا البديل، بل لا زال يأمل في التكنولوجيا التي تجاوزت مكانتها كأداة، لتصبح جوهرا يتحدد به مصير الكينونة.

من يا ترى المسؤول، هل نظرتنا للوجود أم التقنية؟ لقد ربطنا سؤال الكينونة باللغة وأنحائها، وها نحن نرهنه لآلة أخرى ولغة أخرى تقضم اللغة التقليدية والوجود معا. فقط هاهنا أصبحت مدركا لازدراء ملاصدرا بابن سينا في مقاطع من تأمّل الوجود، فالحكيم في نظر رائد الحكمة المتعالية ما كان ينبغي له أن يستهلك نفسه في اللغة والنحو، فذاك في نظره ليس من اهتمام المأخوذ في مهمّة التفكير الرانسندنتالي وحدس الوجود.

أنا كائن بوجود أشعر حدّ القلق أنّه غير مكتمل. ذلك لأنّ حدسي يشعرني بلاجدوى وجود غير مكتمل. ولأنّ هناك أمل بأنّه وجود يعرض على الوعي بمقدار تجربتي في الوجود.

حدّ هذه الكينونة يتوقّف على حدسي الذي غمره طوفان الميتافيزقا البلهاء التي افتقدت منذ قرون إن لم أقل من حينها، الشجاعة في مباشرة الوجود خارج فخاخ الوعي الذي يمنحه السياق السوسيو-تاريخي لكائن، يشعر أنّه كلّما تناسى الوجود كلّما ازدادت إلحاحيته.

بين كينونتي والوجود الذي يتطلع إليه وعيي بهذه الكينونة، فجوة سحيقة لا مُخلّص منها إلاّ بانتفاضة أنطولوجية، لأنّنا في نهاية المطاف، نحن مدينون للوجود لا لشيء آخر من مستلزمات الكينونة التي تشكّل المهرب أو الشرط الممكن لاستبعاد سؤال الوجود نفسه.

إنّ الأنطولوجيا التي نراهن عليها في خضم هذا القلق، تتوقّف على مُصالحة تاريخية بين الكينونة والشعور في إطار ما نراه ضامنا، وهو أوضح من اللغة، وأقدم من اللغة، وأبقى من اللغة، إنّه حدس الوجود.

https://anbaaexpress.ma/ckves

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى