
هذه المحاولة أي الوصول إلى (معادلة العلم – الإيمان) لم تخلص من الزوابع بعد، ولم ترسو هذه السفينة الجديدة العجيبة على شاطيء السلامة، فنحن في صدد إرساء توازن جديد أو هكذا أزعم؟ وهناك من طرح مفهوم أو مصطلح (أسلمة المعرفة) كما فعل المعهد العالمي للفكر الإسلامي؟ وهذا المصطلح الجديد يجب أن نكون حذرين فيه، فليس هناك علم اسلامي ومسيحي ويهودي وبوذي، مانريده فقط وضع العلم في إطاره الفلسفي الملائم، ضمن الفكر والفلسفة الاسلامية، لاحصراً وحبساً؛ بل فهما للعلم ضمن هذا الاطار الفلسفي، أي أننا في صدد إرساء العلم من خلال فلسفة العلم. فهل نصل من العلم إلى الإيمان؟
في عالم النبات يحصل شيء مثير عند تطعيم فرع على أصل، مايحدث هو أن الفرع ينمو فيمتص النسغ والقوة من الأصل إلا أن الحيوية تبقى للفرع، والثمار تخرج من الفرع ليست ثماراً غريبة أو ثمار الأصل، بل ثمارأً غضة فتية من الفرع ونوعه.
إن (محمد إقبال) الفيلسوف المسلم فعل هذا الشيء أثناء احتكاكه بالحضارة الغربية لإنه أخرج ثماراً يانعة إسلامية من عصارة الفكر الغربي فأبدع كتابه (تجديد التفكير الديني في الإسلام) نحن نريد أن نعرف مايجد في العالم من ثمرات ليس فقط من أجل التعرف عليها حتى نحقق وظيفة (الشهادة) لإن الشاهد في أي قضية يجب أن يكون حاضراً واعياً للواقعة، أو كما قال القرآن (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية)(الحاقة – 11) بل يجب أن نهيء أنفسنا للقفزة الأخرى وهي ليس (لحاق) الآخرين بل (تجاوزهم) أي القيام بعمل ريادي في فضاءات المعرفة، مع الانتباه إلى أن تجاوز شيء ما يعني معرفته والوصول إليه قبل تجاوزه، لذا فالعلاقة مع العالم يجب أن تقوم على إدراكه، وإدراكه يجب أن يتم من خلال معرفته، وهذا اللون من المعرفة ريادي ايضاً، لإننا يجب أن نخترق العلم وفلسفة العلم ثم إرساء معرفتنا الجديدة.
ما يدفعني إلى تسجيل هذه الأفكار أن العلم يندفع بروح (عدمية) فمنذ أن أعلن نيتشه الفيلسوف الألماني قديماً آراءه الخاصة المعروفة وتصوراته عن الله وكفره بالمسيحية على النحو الذي سنعرضه عن الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، ختمها المفكر الفرنسي حديثاً ميشال فوكو بموت الانسان، ثم أطبقت التكنولوجيا الأمريكية بمسح المدن بالسلاح الذري، وأصبح الجنس البشري قاطبة مهدداً عملياً بالفناء. وبذا مشى الفكر الغربي بقرنين (نظري) إلى العدمية و (عملي) إلى التهديد بالفناء الفعلي للبشرية، وفي النهاية فإن تطور تكنولوجيا السلاح هو ليس تطوراً علمياً بل هو اتجاه الفلسفة العدمية.
لنسمع إذن إلى طرف من الاختناق الفكري على لسان برتراند راسل في كتابه (لماذا أنا لست مسيحياً) في فصل عبادة الرجل الحر:
(لإن يكون الإنسان نتاج أسباب لاتملك العدة اللازمة لما تحققه من غايات، ولإن يكون منشؤه ونموه وآماله ومخاوفه وصبواته ومعتقداته مجرد حصيلة ارتصاف ذرات عرضي؛ ولإن تعجز أي حماسة مشبوبة أو بطولة أو أي حدة في التفكير أو الشعور عن الإبقاء على حياة فرد واحد فيما وراء القبر، ولإن يكون الاندثار هو المصير المحتم لكل عناء الأجيال ولكل التفاني ولكل عبقرية الإنسان المتألقة تألق الشمس في رابعة النهار. كل هذه الأمور إن لم تكن حقاً غير قابلة للجدل فإنها مع ذلك تقترب من اليقين إلى حد يستحيل معه على أي فلسفة ترفضه أن يكتب لها البقاء، وعلى ذلك لايمكن بناء موطن الروح في أمان إلا في إطار هذه الحقائق وعلى أساس راسخ من القنوط المقيم).
هذه الكلمات ذكرها مؤلفان يشتغلان بفلسفة العلوم هما (روبرت آغروس) و(جون ستانسيو) في كتابهما (العلم في منظوره الجديد) وهو مترجم عن كتاب عنوانه (القصة الجديدة للعلم). وفيها ذكر المؤلفان هذه الفقرة بشيء من الحسرة، باعتبار أن نبضات الكلمات كلها تشير إلى فلسفة العدم الذي يرى الكون يقوم بالصدفة (حصيلة ارتصاف ذرات عرضي) لينتهي بالعدم والعبثية (تعجز عن الإبقاء على حياة فرد واحد فيما وراء القبر)..
وبرتراند راسل يعتبر في الفكر الغربي المعاصر ذو وزن لايستهان به، ولذا فهو يعبر عن روح الحضارة الغربية وفلسفتها التي تسيرها، والتي ترى الكون في صورة (الصدفة والعبث).




مقال جيد ويدفع إلى إعادة النظر في المفاهيم المتعلقة بالعلم في علاقته بالإيمان وعن فلسفة العلم التي قد تصبح عدمية تقود إلى إنهاء دور الإنسان في هذا الكون وبالتالي فناء البشرية