آراءسياسة

مستقبل الفضاء المغاربي في ضوء الحرب الروسية الأوكراينية(9)

من هتلر إلى بوتين: الحرب العالمية الثالثة في غمار صدام الأنساق الجيوسياسية

الفضاء المغاربي في ضوء مفهوم “الدولة الفاشلة” 

أنهيت المقال السابق بالقول: أنه بصرف النظر عن المآل الذي ستؤول إليه الحرب الروسية الأوكراينية، فإن هذه الحرب قد أعلنت عن ميلاد “عالم جديد” بدأت ملامحه تتشكل في أروقة الأمم المتحدة، وعلى أرض الواقع. وأن عددا من الملفات التي مازالت قيد التداول منذ الحرب العالمية الأولى ستطوى بشكل نهائي أو ستعرف تحولا وظيفيا تجاوبا مع حدة الأزمات التي ستتولد عن سوء تقدير أصحاب القرار في هذا البلد أو ذاك.

وكنت ركزت على مسألة الفهم العميق للمفاهيم، من حيث أن الفشل في بناء بلدان يطيب فيها العيش ناجم عن “المعرفة الجاهلة” بالعلوم، وقد نبه فلاسفة ومفكرون وحكماء، منذ كونفوشيوس حتى أمبيرطو إيكو، إلى أهمية “المعرفة المأمونة” وأهمية التواصل الخلاق وامتلاك زمام اللسان في مجال من المجالات ولاسيما المجال السياسي.

وقد حذر أبو حامد الغزالي: أنّ من أراد الوصول إلى المعاني عن طريق الألفاظ ضاع وهلك ومن قرر المعاني أولا في عقله، ثم جعل الألفاظ تابعة  للمعاني فقد اهتدى. وإن استفحال المعضلات اليوم سببه المتطفلون على العلوم واجترارهم لألفاظ دون الإحاطة البراغماتية بمعانيها .

وعلى  البشر، يؤكد إمبيرتو إيكو، أن يدركوا أنهم غير قادرين على أن يتكلموا لغة دقيقة، لذلك من المهم أن يعرفوا إلى أي مدى يمكن أن تكون لغتهم غير دقيقة، كما يوصي أُمبرتو إيكو. وعندما نحيط وعيا وعلما أن لغتنا رغم كل الجهد الذي نبذله تبقى ناقصة الدقة سنكون أكثر مرونة في عدم التسرع في إصدار القرارات مفترضين دائما أن هناك سوء فهم ما، وعلينا بالتريث حتى نكون على بينة.

ذلك أن التواصل في المجالات التي لا تتوفر على الدقة المنطقية، ويسهل فيها الانزلاق التأويلي لا يجب أن تترك لضعاف العقول وقصار النظر وطوال اللسان، حتى لا تتراكم الأخطاء ويتسع سوء الفهم وتنفلت الأمور إلى ما لا يحمد عقباه. وربما هذا ما حمل فرانسيس بيكون إلى التحذير من السقوط في مستنقع قاموس العامة من منطلق أنه إذا تم اختيار الكلمات بما يلائم فهم العامة، “تنشأ مجموعة من الكلمات سيئةٌ بليدةٌ تعيق العقل إعاقة عجيبة، إعاقة لا تجدي معها الشروحات التي دأب المثقفون على التحصن بها أحيانا: فما تزال الألفاظ تنتهك الفهم بشكل واضح وتُوقع الخلط في كل شيء، وتُوقع الناس في مجادلات فارغة”.

وهذا ما عشناه في الأسبوع الماضي مع تصريحات الفقيه أحمد الريسوني والتصريحات المنددة أو المتعاطفة معه. ومنذ أن صدر هذا المنبر، حوالي ثلاثة أشهر، شرعت في كتابة سلسلة من المقالات، الهدف منها التحذير من مغبة السقوط في التصريحات الرديئة والتحليلات السطحية والخوض في القضايا الحساسة دون التزود العلمي، ولا سيما في القضايا السياسية.

لقد كشفت تصريحات أحمد الريسوني والتصريحات المضادة، وردود الفعل من بيانات وتوضيحات وما شابه، كشفت عن جهل عميق وغير واع،  وعن فكر فاشي/نازي يتقاسمه الريسوني مع أغلب الذين تطوعوا للرد عليه. وهذا الفكر القومي، الديني، النازي، للأسف فكر متأصل في النخب المغاربية.

وبدا واضحا أن الريسوني والذين ساندوه تفصلهم مسافة ضوئية عن السياسة المغربية في توجهاتها الجديدة التي نشأت منذ عقد ونصف، والمتمثلة في الجهوية الموسعة والحكم الذاتي، وهي سياسة من صميم “القومية المدنية” (Nationalisme Civique)، المفهوم الذي سلطنا عليه الضوء في مقالاتنا السابقة. أما الجزائريون والموريتانيون والمغاربة الذين تصدوا له بكل ما يملكون من مشاعر قومية جياشة، فليس هناك ما يميزهم عنه، فكلهم سواء في القومية الشوفينية الضيقة والجهل السياسي (مع بعض الاستثناءات طبعا).

ينتمي الريسوني مع السياسة الجزائرية إلى نفس الخندق المناهض للتطبيع، ما يدل على أن هناك اختلال منطقي لدى المناهضين للصهيونيا في علاقتهم ببعضهم، ومن جهة أخرى يتقاسم الريسوني نفس الأيديولوجيا مع إسرائيل، من حيث أن هذه الأخيرة تؤمن بالدولة اليهودية (أي الدولة الإثنية، الماضوية العنصرية) وهو يؤمن بالدولة الإسلامية، وبالتالي هناك مساحة نازية مشتركة بينه وبين دعاة الدولة اليهودية، وبذلك يبقى هو وأشباهه خطرا على الفلسطينيين وugn الشعوب المغاربية. وقد أحسن الملك المغربي صنعا حين دعا النشطاء والكتاب المغاربة إلى التزام خطاب الحكمة وعدم الإساءة إلى الجزائر، حتى يقطع الطريق على الجهلة وتجار الإثارة والفتن، ويترك الأمر لأهل الاختصاص.

نرث اليوم مخلفات مساوئ الحركات القومية المغاربية، وما دمنا لم نعترف أن القضايا التي نختلف حولها إنما نختلف بسبب فهمنا الجاهل لها، وبخاصة مفهوم “الدولة” والدولة القومية. وهذا الفهم الجاهل هو الذي كان وراء نشوء دولنا الفاشلة.

ونحن في حاجة إلى كثير من المرونة والتواضع حتى يسهل علينا فهم فشلنا الذي اتسع ليشمل الدولة برمتها. في المحصلة، هناك خلل في الإدراك، وهناك جهل في السياسة، وإذا سارت الأمور في هذا المنحى وجفت منابع الخيال السياسي في الفضاء المغاربي وتقلص منسوب الحكمة، فليس من المستبعد أن تندلع حرب مغاربية.

فما هي الدولة الفاشلة؟ لا يسلط الإعلام ضوءه، إلا نادرا، على جملة من المفاهيم المفتاحية ذات الصلة بعصرنا وقضايانا الراهنة. ولعل من أهم المفاهيم الغائبة عن الإعلام، بل غائبة حتى عن الانشغال الأكاديمي، مفهوم الدولة الفاشلة.

والدولة الفاشلة مفهوم حديث النشأة ينطبق في بعض مؤشراته حتى على بعض البلدان الغربية، ويدل على فشل الدولة كليا أو جزئيا في تدبير مجالها الترابي أمنيا وتنمويا. وهي التي تواجه مشاكل تهدد تماسكها واستمراريتها.

يمكن أن تجد الدولة صعوبات في تأكيد احتكار العنف الشرعي (كما هو موضح من قبل ماكس فيبر) على سبيل المثال: إذا غاب الشعور بالأمن وساد الشعور بالخوف، أو إذا انعدمت الثقة فيها وأصبح مشكوكا في قدرتها على فرض نفسها في تنافس على الحكم مع بعض الفاعلين المحليين جراء ضعف الكفاءة لدى الإدارة، النسق القضائي، طغيان الاقتصاد غير المهيكل وتدخل الجيش في السياسة، حتى في حالة عدم وجود تمرد مسلح.

تعود جذور هذا المفهوم المثير للجدل إلى عام 1990، بعد نهاية الحرب الباردة، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتحلله السريع، وفي سياق تصنيف العالم إلى مناطق للسلام وأخرى للفوضى (الكاوس)، وتحت اسم (الدولة الشبه). وظهر مفهوم الدولة الفاشلة عام 2005، حيث شرع صندوق السلام ومجلة السياسة الخارجية فوريغن بوليسي في إصدار مؤشر سنوي حول لائحة الدول الفاشلة والتي تشمل فقط البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة.

وعندما تصبح دولتك فاشلة، وتبقى مشغولا بأوهامك من أمجاد وبطولات أسلافك، وتصر على أنك الأفضل والأجمل، وأنك محسود…. في هذه الحالة ماذا تريد من الآخرين؟ عندما تفشل في تأسيس دولة بمقاييس العصر، تفشل في الوقت القانوني، ثم يمهلك التاريخ أو العناية وقتا بدل الضائع لإصلاح ما أفسدته بجهلك، ولا تفعل، بل تراكم فشلك، ماذا تريد؟ عندما تهدر فرصا من ذهب، فتضيق عليك السبل من كل جهة ولا تسأل نفسك عن السبب، لماذا تلوم الآخرين؟

بعد انفجار ثورات 2011 انكشفت عورة الأنساق السياسية، وانهارت عدة دول كليا أو جزئيا، ودخلت بلدان أخرى في إصلاحات سياسية ظلت تراوح مكانها بسبب الجهل والكسل والقصور العلمي وطغيان الخطاب الشعبوي.

من الأمثلة التي نسوقها، تمثيلا لا حصرا، حول الكيفية التي قاربت من خلالها النخب العربية هذا المفهوم، دراسة أعدها ضابط لبناني عام 2017، أي قبل انفجار مرفأ بيروت بحوالي أربعة أعوام. الدراسة مهمة من حيث وفرة المعلومات والإحالات والدقة الكرونولوجية للمفهوم؛ غير أنها تفتقر إلى التماسك المنطقي من حيث التحليل والخلفية والغاية. ويعتبر صاحب الدراسة أن مفهوم الدولة الفاشلة، وعلى غرار الدولة المارقة والدولة الراعية للإرهاب، مفهوم اختلقته جهات “للتدخّل في شؤون الدول الأخرى بهدف تحقيق مصالح سياسية واقتصادية على وجه الخصوص، عبر مجهودات مختلفة، منها اتّهام الدول بالفشل.”

وفي هذه الدراسة المسهبة، لم يمنح بلده لبنان إلا بضعة سطور، ليتهم جهات تسعى إلى النيل من سمعة لبنان عبر وصفه بالدولة الفاشلة تمهيدا للإجهاز عليه. وبدل أن يقف وقفة تحليل وتشخيص للوضع السياسي في لبنان لمعرفة مكامن الخلل، راح يكيل التهم لـ”مفهوم الدولة الفاشلة” وللدوائر التي اصطنعته، وكان يكفيه أن يقرأ السياق الذي جعل من حزب الله تنظيما عسكريا، ليكتشف دون عناء أن لبنان دولة فاشلة لسبب بسيط وهو أنها تعترف بأنشطة عسكرية لتنظيم حزبي من المفترض أنها من مهام الجيش اللبناني.

على المستوى المغاربي وبحسب تصنيف منظمة(Fund For Peace) لعام 2021، تُمثّل ليبيا أكثر الدول هشاشة، حيث تدحرجت من المرتبة 25 عام 2018 إلى المرتبة 20 عام 2020 إلى المرتبة 17 عام 2021 بينما تحسن موقع موريتانيا في سلم الترتيب من المرتبة 31 إلى المرتبة 33. أما مراتب الجزائر والمغرب وتونس لم تتغير، حيث بقيت الجزائر في المرتبة 73، والمغرب في المرتبة 83، وتونس كانت الأفضل في التصنيف على المستوى المغاربي برتبة 93. وتضمنت المراتب العشر الأولى من بين 179 دولة 4 دول عربية كأكثر الدول هشاشة، تصدّرتها اليمن كأكثر دولة هشة في العالم، وتلتها الصومال وسوريا، وجنوب السودان، والكونغو الديمقراطية، وأفريقيا الوسطى، وتشاد، والسودان، وأفغانستان، وزيمبابوي. التي شهدت جميعها صراعًا و/أو انهيارًا اقتصاديًا على مدار العقد الماضي.

والدول الأقل هشاشة في العالم هي فنلندا بترتيب 179 وتلتها النرويج، وأيسلندا، ونيوزيلاندا، والدنمارك. وحققت الإمارات أقل مرتبة بين الدول العربية من ناحية الهشاشة بترتيب 151.

تحت عنوان “الاتجاهات العالمية في 2025: العالم المتحوّل” أصدرت الاستخبارات الأمريكية، شهر نوفمبر 2008، تقريرا حول وضع العالم في العام 2025. و قد رسم التقرير صورة سوداوية ومخيفة لمستقبل العالم الذي سيكون محل تهديد من الصين وبعض الدول الأخرى الصاعدة وبلدان المغرب العربي والشرق الأوسط. ومكمن الخطورة-حسب التقرير- هو تحوّل الإرهاب من شكله التقليدي الحالي إلى إرهابيين من مستوى “عال”، حيث سيسعى “الجيل الجديد من الإرهابيين إلى امتلاك أسلحة نووية، وإذ ذاك يكون تنظيم “القاعدة” قد اندحر بفعل “الفشل في تحقيق استراتيجياته وعجزه عن جذب الدعم الخارجي ويُصرّ التقرير على أن لا تغادر عين أمريكا منطقة الشروق الأوسط والمغرب العربي، كما أكد على انبعاث السباق نحو التسلح من جديد وانطلاق “المد الاستعماري” باشتداد المنافسة العسكرية بين قوى عديدة في سبيل السيطرة على مناطق النفوذ. قبل ذلك بحوالي شهر حذرت الاستخبارات الأوربية من تنامي الإرهاب في المغرب العربي حيث أعرب خبراء غربيون في مجال الاستخبارات خلال اجتماع لهم عقد ببرلين عن خشيتهم من امتداد الشبكات الإرهابية في المغرب وتنامي نفوذ تنظيم القاعدة في الساحل الإفريقي إلى أوروبا، وأن شمال إفريقيا يمثل اليوم «مزيجا متفجرا». وهناك من رأى “أن مثل هذه التقارير تهيئ الإمبرياليا إلى الخروج السافر لتحقيق مخططاتها”، بينما هناك من رأى أن الغرب لن يبقى مكتوف الأيدي أمام الفشل السياسي والأمني في المنطقة المغاربية، وأنه سيتدخل بشكل أو بآخر لإخراج دول المنطقة من فشلها.

تلك التقارير والقراءات الاستشرافية تنطوي على رسائل لمن يهمه الأمر وألقى السمع وهو شهيد، وسواء أخذها على محمل الجد أو السخرية، أو عجز على فك شفرتها أو ربما لم يقرأها إطلاقا، فإن العالم يعيش تحت صدام الأنساق الجيوسياسية ونفير حرب عالمية، وصارت أفريقيا فضاء حيويا للقوى المتصارعة.

ملحوظة: كنا أشرنا في المقال السابق، أن مقالنا هذا سيكون الأخير في سلسلة هذه الحلقات، ولكن بسبب طوله إرتأينا أن نؤجل المقال الأخير إلى الأسبوع القادم، وسيكون تحت عنوان “المستقبل المغاربي: هل سينجح الاتحاد أم ستندلع حرب مغاربية؟

https://anbaaexpress.ma/t65j1

سعيد هادف

شاعر جزائري وباحث في الشأن المغاربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى