آراءأفريقياسياسة

صديقي التونسي..

بقلم: د. إبراهيم إغلان 

إن السقطة الدبلوماسية والسياسية التي وقع فيها السيد رئيس الجمهورية التونسية الشقيقة، باستقباله شخصيا ورسميا زعيم الكيان الانفصالي، هي بالقدر الذي أغضبتنا كمغاربة، وبكثير من الجرح الذي لن يندمل، على الأقل، في المدى القريب، هي بالقدر الذي فاجأتنا فيه ردود فعل أصدقائنا التونسيون حيال ما أطلقوا عليه ب”الهجمة الشرسة للمغاربة على تونس ومؤسساتها”.

لست هنا بصدد تشخيص لما وقع من إرتباك دبلوماسي واضح للسيد الرئيس، بغض النظر عن خلفياته وتقديراته السياسية التي ، بلا شك، تتجه نحو إختيار تكتيكي أو إستراتيجي، ضدا في مصالح المغرب، هذا الأخير من حقه متابعة مواقف وسلوكات رئيس دولة، خرج عن ثوابت تونس التاريخية والدبلوماسية منذ انتخابه رئيسا إلى يومنا هذا. بل كل ما هنالك، أريد توجيه رسالة الى الأصدقاء بتونس، وهم أصدقاء يفقهون في السياسة والفكر معا.

وأنا أتابع، كما هو الشأن بالنسبة للمغاربة، تداعيات ما قام به السيد الرئيس من سلوك ” عدائي” اتجاه المغرب، لاحظت أن بعض الإعلاميين التونسيين الذين كنا نتابع برامجهم الإذاعية والتلفزية باهتمام كبير، سرعان ما غيبوا الحس العقلاني والنقدي في تناول هذه الأزمة المغربية التونسية، حيث انحاز بعضهم الى قراءات سطحية ومبتذلة، من قبيل ان المغرب، بتصرفه وردة فعله أمام سلوك السيد الرئيس، إنما يسعى من وراء ذلك إلى التأثير على وقائع ونتائج المنتدى الياباني الافريقي”تيكاد 8″، كي لا تستفيد تونس من كعكعة المنحة اليابانية، معتبرين ذلك نوعا من الضغط الذي تمارسه المغرب ضد المصالح الاقتصادية التونسية.

أما البعض الآخر من هؤلاء، فقد خلصت قراءتهم الى أن هذا الموقف المغربي يندرج في سياق التطبيع مع إسرائيل، وبالتالي من حق تونس أن تستقبل من تريد، كما أن المغرب استقبل من يريد. لقد أخذت هذه المقارنة حيزا كبيرا في نقاش الاعلام التونسي. وبالنسبة للذين أخذوا مسافة بين هذه القراءات، لم يجدوا غير الفصل بين النظام والشعب في قضية الصحراء المغربية، وكأن هذه القضية هي قضية نظام مغربي وليست قضية شعب.

إن هذه القراءات التي ظهرت على المشهد التونسي، تؤكد أن الأصدقاء في تونس لم يدركوا بعد علاقة المغاربة بهذه القضية، بل هناك جهل مركب لطبيعة الارتباط الروحي والوجودي بين المغاربة ووحدتهم الترابية. ربما أن الأصدقاء التونسيون، بحكم التحديات الداخلية، وبفعل التداعيات العالمية، فسحوا المجال للمخيال الذي إستنشط بشكل سريع ومتراكم، ذلك المخيال الذي يرى في المغرب منافسا غير شرعي لتونس، حيث بات المغرب جزءا أساسيا من الأزمات المتتالية التي شهدتها تونس.

وقد عبر الأصدقاء التونسيون في أكثر من مناسبة إعلامية عن هذا المخيال، حتى قبل الأزمة الحالية. ولعل المقارنات التي أشغلت الرأي العام التونسي بين البلدين في مختلف المجالات، الرياضية والاقتصادية والدبلوماسية والثقافية والاجتماعية، ساهمت هي الأخرى في إثراء هذا المخيال. وكان لهذا التأثير مفعوله السلبي في تناول الاعلام التونسي للأزمة الدبلوماسية التي افتعلها السيد الرئيس.
بينما في المغرب، كان التوجس حاضرا من المواقف الرسمية التونسية التي إنزاحت عن الحكمة التونسية المعهودة ، وظل المغرب، نظاما ونخبا وشعبا، يتابع ويحذر من بعض المناورات السرية والظاهرة التي ما فتأ السيد الرئيس وجماعته يمارسها ، بغض النظر عن المصالح والمنافع، لكن ليس على حساب قضية المغرب الأولى. وتأكد للمغرب، وأمام العالم، أن السيد الرئيس اختار توجها آخر، بل تصعيدا آخر ، والدولة المغربية هي الوحيدة الكفيلة بالرد المناسب على هذا الاختيار، أما أنا كمغربي، فلن أجد سوى العتاب على أصدقائنا التونسيين الذين تربطنا بهم الكثير من الصلات، الذين هربوا عمق الأزمة إلى مناحي أخرى، مشككين في نوايانا ، وجعلوا التطبيع مع إسرائيل، والذي إنضاف إلى المخيال الشعبي التونسي، أحد أبرز حيثيات الأزمة.

أن تدافع عن وطنك، هذا حقك المشروع، كما هو حقي في الدفاع عن وطني، لكن الاختلاف بيني وبينك أيها الصديق التونسي، هو أنني أدافع عن قضية وطنية، تخصني كما تخص المغاربة، أما أنت فتدافع عن خطأ فادح، دبلوماسيا وسياسيا وأخلاقيا، إرتكبه السيد الرئيس أو من أوحى له بذلك، ضد قضية لا علاقة لك بها أصلا، وتعتبر ذلك تدخلا في السيادة، وعندما تتحدث عن تطبيع المغرب مع إسرائيل تعتبر ذلك مسألة قومية، وقد يذهب بك الأمر الى ما ذكره احد زملائك في قناة عربية “بأن تونس من حقها أن تستقبل من تريد إلا إسرائيل”.

صديقي التونسي، قد لا تعجبك ردود فعل المغاربة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل لا تروق لك تحليلات بعض الإعلاميين والجامعيين المغاربة، وقد لا يعجبك المغرب، هذا شأنك، ولي أن أبلغك بأن قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية ليست قضية ملك أو حكومة، بل قضية وطنية، وبالتالي لن أقبل بغير هذا، أما أنت، فلست معنيا بهذه القضية من قريب أو بعيد، والسقطة التي وقع فيها السيد الرئيس، بقصد ووعي تامين، لن أغفر له ما حييت، والأفق أتمناه سليما وجميلا لتدبير إختلافنا، متمنيا لبلدك كل التقدم والازدهار، وستجد المغاربة إلى جانبك كما هي عادتهم في أوقات الضيق والشدة.

https://anbaaexpress.ma/9qyzk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى